600

إطلاقه بالقاعدة.(1)

ويرد عليه بغضّ النظر عمّا مضى من أنّ (لا ضرر) ينظر الى الشريعة ككلّ ويحكم عليها، لا الى كلّ فرد فرد من الأحكام مستقلاّ: أنّ دائرة ما في الشريعة من الحكم بعدم الضمان تتحدّد بدائرة ما في الشريعة من الحكم بالضمان، فإذا فرض مثلاً: أنّ الشارع خصّ حكم الضمان بمورد إتلاف شخص عين مال شخص آخر عمداً، فهذا معناه أن موضوع الحكم بعدم الضمان هو جامع ما لا يكون هكذا سواءً تلف بلا عمد، أو تلف بتلف سماوي، أو لم يتلف أصلاً، وهذا الحكم كالحكم بوجوب الوضوء قد يكون ضرريّاً، وقد لا يكون ضرريّاً، فيرفع إطلاقه بالحديث.

 

الإقدام على الضرر

الأمر الثاني: قد يظهر التهافت في بادىء الأمر تهافت بين فتويين من قبل الأصحاب: إحداهما: ما يقال من أنّ (لا ضرر) لا يجري في الغبن إذا كان المغبون عالماً بالغبن فدخل في المعاملة الغبنيّة عن عمد، وليس له خيار الغبن.

وثانيتهما: ما يقال من أنّ من أجنب نفسه وكان الغسل ضرراً عليه ينتقل الى التيمّم، ولو فرض كونه عالماً بذلك وأجنب نفسه عمداً.

ووجه التهافت: أنّه لو كان (لا ضرر) لا يجري مع العمد؛ لأنّه أقدم على الضرر مثلاً وجب أن لا يجري في كلا الفرضين، وإلّا وجب أن يجري في كليهما فما معنى التفصيل بينهما؟

وتصدّى المحقّق النائيني(قدس سره) لبيان الفرق بين المسألتين. وعبارة التقرير هنا في غاية التشويش(2)، فنحتمل فيها عدّة احتمالات، ونصوغها في ثلاثة تقريبات، فصدر عبارته أنسب بالتقريب الأوّل، ووسط العبارة أنسب بالتقريب الثاني، وذيله أنسب بالتقريب الثالث.

أمّا التقريب الأوّل: فهو أنّ (لا ضرر) ينفي الحكم المتعنون بعنوان الضرر بلحاظ قانون المسبّب التوليدي ـ على ما هو مبنى المحقّق النائيني(قدس سره) كما مضى ـ فلا بدّ من أن لا تتوسّط بين الحكم وتحقّق الضرر إرادة المكلّف غير المقهورة للحكم


(1) لم أجده في فحصي الناقص.

(2) راجع قاعدة (لا ضرر) للشيخ موسى النجفي، ص 217 ـ 219.

601

الشرعي، وهذا القانون منطبق على باب الغسل؛ لأنّ إرادة الإجناب إنّما هي قبل الحكم، فإنّ الحكم إنّما يتحقّق بالإجناب، وإرادة الغسل مقهورة للحكم الشرعي.

وأمّا في مثال الغبن فبعد أن حكم الشارع مثلاً بصحّة البيع الغبني، ولزومه أراد المكلّف إيجاد ذلك في الخارج، ولو لم يفعل لما ترتّب الضرر خارجاً، ولم يكن ملزماً بإيجاد ذلك، فهنا توسطت الإرادة غير المقهورة بين الحكم والضرر.

وهذا جوابه واضح، فإنّه خلط بين الجعل والمجعول؛ إذ لو إُريد بالحكم والتكليف الذي توسّطت الإرادة بينه وبين الضرر الجعل، فالتوسّط ثابت في كلا الموردين، فإنّ الحكم بوجوب الغسل على المجنب كان ثابتاً قبل إرادته للإجناب، ولم يكن ملزماً شرعاً بإجناب نفسه، وإن اُريد بذلك المجعول فلا توسّط لإرادة غير مقهورة في شيء من الموردين، فإنّ فعليّة الحكم وتحقّق المجعول في باب الغبن ـ أيضاً ـ فرع إيجاده للبيع الغبني، فإرادته لذلك واقعة قبل الحكم.

التقريب الثاني: أنّ الضرر في باب الغسل هو تمرّضه بالاغتسال في الماء مثلاً، وهذا الضرر ثابت حتى لو كان إجنابه عمديّاً، وأمّا في باب البيع الغبني فالضرر هو تخلّف حقّ التساوي الثابت بالشرط الضمني، وهذا الضرر في صورة العمد والعلم غير موجود؛ لعدم الشرط الضمني فلا يوجد هذا الحقّ.

وهذا الكلام بهذا المقدار ناقص يحتاج الى متمّم: وهو أن يقال مثلاً: إنّ حقّ التساوي أوجب حقّ الخيار بنظر العقلاء، أو بشرط ضمنيّ آخر، فعدم هذا الحقّ ضرر ينفى بـ(لا ضرر).

وعلى أيّ حال، فهذا التقريب ـ أيضاً ـ غير تامّ؛ لما مضى من إمكان تطبيق (لا ضرر) على الضرر المالي الموجود في المقام، ومن الواضح ثبوت الضرر المالي في حال العمد أيضاً كما في الضرر في باب الغسل.

التقريب الثالث: المحتمل في كلام المحقّق النائيني(قدس سره): هو ما نقله المحقّق العراقي(1)(قدس سره) عن اُستاذه المحقّق الخراساني(رحمه الله) من وجود فرق بين المسألتين: وهو أنّ البيع الغبني بنفسه ضرر، فهو قد أقدم متعمّداً على الضرر، و (لا ضرر) مشروط بفرض عدم الإقدام، وأمّا في باب الجنابة فالضرر ليس هو الجنابة التي أقدم عليها، وإنّما الضرر هو وجوب الغسل، وهو لم يقدم على ذلك، وإنّما أقدم على الجنابة.


(1) راجع المقالات: ج 2، ص 123.

602

نعم، لو ثبت أنّ هذه الجنابة حكمها هو الغسل فقد أقدم على الغسل؛ لأنّ المُقدِم على الموضوع عن عمد وعلم مقدِم على حكمه، فصدق الإقدام موقوف على كون حكم هذه الجنابة الغسل، وذلك بعدم جريان (لا ضرر) وهو موقوف على الإقدام، فأصبح الإقدام دورياً فلا إقدام.

أقول: تارة نتكلّم فيما ذكره هنا من تقريب عدم جريان (لا ضرر) في البيع الغبني بنكتة الإقدام، واُخرى في أنّ هذه النكتة هل تختصّ بمثال الغبن، ولا ترد في مثال الجنابة حتّى يتمّ الفرق أو لا؟ فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في ثبوت الإقدام على الضرر وعدمه في مسألة البيع الغبني.

يمكن أن يقال في بادىء الأمر: إنّه لا إقدام هنا على الضرر، وإنّما حال تعمّد البيع هو حال تعمّد الجنابة، فإنّ البيع بنفسه إنشاء مبادلة، وهذا الإنشاء ليس هو الضرري، وإنّما الضرري هو ما يترتّب عليه من حكمه، وهو قانونيّته وإمضاؤه عيناً من قبيل أنّ الجنابة ليست هي الضرريّة، وإنّما الضرري هو ما يترتّب عليه من الحكم وهو الغسل، فالإقدام هنا ـ أيضاً ـ يكون دورياً بنفس تقريب دوريّته في باب الغسل، ولا فرق بين الفرعين فأيّ شيء يثبت في أحدهما يثبت في الأخر.

ولكنّ هذا الكلام واضح الفساد فإنّ البيع وإن كان مدلوله الاستعمالي هو الإنشاء، ولكن مدلوله الجدّي هو الإقدام على أثره القانوني، وتحصيل التبادل الحقيقي بين المالين، فالإقدام ثابت.

نعم، هنا تقريب آخر لمنع حصول الإقدام على الضرر: وهو ما أفاده المحقّق العراقي(قدس سره) في المقام: من أنّ الإقدام إنّما هو على حدوث المبادلة، والحدوث ليس هو الذي نريد رفعه بـ(لا ضرر) فإنّ المفروض في البيع الغبني أنّه صحيح غير لازم، وإنّما الذي نريد رفعه هو جانب البقاء، وهو لم يقدم على جانب البقاء، فإنّ مدلول البيع إنّما هو إحداث التمليك والتملّك(1).

أقول: هذا الكلام في غاية المتانة بناءً على مبناه(قدس سره) في المعاملات من أنّها لا تدلّ إلّا على حدوث المبادلة، وأمّا لزومها وعدم لزومها فهو حكم تعبّدي صرف، وليس إمضاءً لما فعله المتعاملان.

وأمّا بناءً على مبنى المحقّق النائيني(قدس سره) والذي هو الصحيح: من أنّ المعاملة


(1) راجع نفس المصدر.

603

تدلّ بدلالتها المطابقيّة على إيجاد المبادلة، وبدلالتها الالتزاميّة المستفادة بحسب السياق العرفي على الالتزام بالبقاء على ما صدر منهما، وأنّ حكم الشارع باللزوم إمضاء لنفس ما أراده المتعاملان، فقد حصل الإقدام على اللزوم والبقاء أيضاً، فهذا الإشكال ـ أيضاً ـ غير تامّ في المقام، فالصحيح عدم جريان قاعدة (لا ضرر) في المقام؛ لأنّه بنفسه أقدم على الضرر.

المقام الثاني: في ثبوت الإقدام على الضرر في مسألة الجنابة العمديّة وعدمه.

وهنا نتكلّم تارة في صدق الإقدام وعدمه، واُخرى في أنّه إذا صدق الإقدام فهل هو إقدام يمنع عن جريان (لا ضرر) أو أنّه ليس كلّ إقدام مانعاً عنه، وهذا من القسم غير المانع، فيقع الكلام في أمرين:

الأمر الأوّل: في صدق الإقدام وعدمه.

قد عرفت الاستشكال في صدق الإقدام بلزوم الدور بالتقريب الذي مرّ. ولتوضيح ما هو التحقيق في المقام نتكلّم في نقاط أربع:

1 ـ أنّه لو صحّ قولكم: إنّ الإقدام دوري؛ لتوقّفه على عدم جريان (لا ضرر) المانع عن وجوب الغسل، وعدم جريانه متوقّف على صدق الإقدام. صحّ أن نقول أيضاً: إنّ عدم الإقدام دوري؛ لتوقّفه على جريان (لا ضرر) حتّى ينفى به وجوب الغسل، فلا يكون إقدام عليه، وجريانه متوقّف على عدم الإقدام على الضرر.

2 ـ كأنّه يتخيّل أنّ المحال في باب الدور هو تحقّق الدائرين في الخارج دون أصل توقّف الشيء على نفسه ولو بالواسطة، مع أنّه ليس الأمر هكذا، بل تكمن الاستحالة في نفس توقّف الشيء على نفسه ولو بالواسطة، وهذا الخلط يرى في كثير من موارد تعرّضهم لإشكال الدور التي منها ما نحن فيه، فإنّه لو كان الإقدام متوقّفاً على عدم جريان (لا ضرر) وبالعكس كما فرض فقد تحقّق الدور المحال، فليس هذا برهاناً على عدم حصول الإقدام، بل لابدّ أن يكون أحد التوقّفين باطلاً في المقام.

3 ـ أنّ العام دائماً يتعنون بنقيض العنوان المأخوذ في المخصّص أو الحاكم، كما في (أكرم العلماء) المخصّص بـ(لا تكرم العالم الفاسق)، فإنّه يتعنون بعدم الفسق، ففيما نحن فيه يكون موضوع وجوب الغسل مع فرض الضرر معنوناً بنقيض عنوان أخذ في (لا ضرر)، وهو عنوان عدم الإقدام ـ حسب الفرض ـ فتحدّد العنوان المأخوذ في وجوب الغسل متفرّع على كيفية تحدّد العنوان المأخوذ في (لا ضرر)،

604

فلابدّ لنا من الحديث عن عنوان عدم الإقدام المأخوذ في (لا ضرر) كي يتّضح ضمناً الكلام في الإقدام المأخوذ في العامّ مثلاً أو المحكوم.

4 ـ أنّ عدم الإقدام المأخوذ في (لا ضرر) يوجد فيه احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: أن يفرض أنّ المأخوذ في (لا ضرر) هو عدم الإقدام بمعنى العدم الثابت بغضّ النظر عن (لا ضرر)، ولو فرض ارتفاعه بـ(لا ضرر)، فموضوع وجوب الغسل ـ عندئذ ـ هو الإقدام الثابت بغضّ النظر عن (لا ضرر)، وعليه ففيما نحن فيه يجب الغسل؛ لأنّ الثابت بغضّ النظر عن (لا ضرر) هو الإقدام لا عدمه.

الاحتمال الثاني: أن يفرض أنّ الموضوع هو العدم الفعلي للإقدام، ولو كان ذلك العدم ناشئاً من نفس (لا ضرر)، وهذا محال لاستلزامه الدور، بأن يكون عدم الإقدام المتفرّع من (لا ضرر) موضوعاً للاضرار، وقد قلنا: إنّ الدور بنفسه محال.

الاحتمال الثالث: أن يفرض أنّ الموضوع هو ما يشمل العدم الناشىء من (لا ضرر)، لا بمعنى كون العدم الفعلي الناشىء من (لا ضرر) موضوعاً للإ ضرر حتّى يلزم الدور، بل بمعنى أنّ صدق قضية شرطيّة مُقدّمها ثبوت (لا ضرر) وتاليها عدم الإقدام يحقّق موضوع (لا ضرر)، وهذا لا يلزم منه الدور، فمثلاً لو فرض أنّ خلق اللّه تعالى للشيخ المفيد(رحمه الله)متوقّف على نصرة الشيخ المفيد للإسلام بالفعل كان هذا دوراً محالاً ولو فرض أن خلقه تعالى له متوقّف على قضية شرطيّة وهي: أنّه لو خلقه لنَصَر الإسلام، فهذا ليس محالاً. وهذا الاحتمال الثالث مساوق في النتيجة للاحتمال الثاني، إلّا أنّ الثاني محال، وهذا ليس بمحال، والعدم المأخوذ موضوعاً في (لا ضرر) بناءً على الثالث أعمّ من العدم المأخوذ موضوعاً فيه بناءً على الأوّل، فالإقدام المأخوذ موضوعاً في وجوب الغسل بناءً على الثالث أخصّ من الإقدام المأخوذ موضوعاً فيه على الأوّل، فإنّ نقيض الأعمّ أخصّ، ونقيض الأخصّ أعمّ، وعلى الأوّل عرفت أنّه يجب الغسل في المقام؛ لأنّ الثابت بغضّ النظر عن (لا ضرر) هو الإقدام. وأمّا على الثالث فتجري في المقام قاعدة (لا ضرر)؛ لأنّها إن جرت رفعت الإقدام.

إن قلت: سلّمنا عدم لزوم الدور في جانب عدم الإقدام، ولكنّ المفروض أنّه أخذ في موضوع وجوب الغسل الإقدام، فالدور في جانب الإقدام ثابت على حاله، فإنّ كون إجنابه عمداً إقداماً على الغسل فرع ترتّب وجوب الغسل على الإجناب، ووجوبه فرع الإقدام، فلزم الدور.

قلت: إن أخذنا بالاحتمال الثالث فمن الواضح عدم الدور في المقام؛ إذ على

605

الاحتمال الثالث يصبح موضوع الأحكام الإلزاميّة: هو كلّ إقدام ناشىء من غير نفس تلك الأحكام، وأمّا الإقدام الذي ينشأ من نفس الحكم فليس هو الذي يحقّق الحكم؛ لأنّ كلّ إقدام ينشأ من نفس الحكم يُفنيه (لا ضرر)؛ إذ المفروض أنّ موضوع (لا ضرر) هو العدم ولو الناشىء من نفس (لا ضرر)، ولا محالة يكون (لا ضرر) مُفنياً لإقدام ينشأ من الحكم الذي يفنيه.

وأمّا إن أخذنا بالاحتمال الأوّل فأيضاً لا يلزم الدور، فإنّنا نقول في جانب الإقدام ووجوب الغسل ما كنّا نقوله في جانب عدم الإقدام وجريان (لا ضرر) في الاحتمال الثالث، أي: كما أنّه كنّا نقول: إنّ موضوع (لا ضرر) قضية شرطيّة مقدّمها ثبوت (لا ضرر) وتاليها عدم الإقدام، نقول هنا: إنّ موضوع وجوب الغسل هو قضية شرطيّة مقدّمها وجوب الغسل وتاليها الإقدام.

إن قلت: هذا معناه أنّ موضوع (لا ضرر) هو عدم الإقدام بغضّ النظر عن (لا ضرر)، ولكن موضوع وجوب الغسل ليس هو الإقدام بغضّ النظر عن وجوب الغسل، بل موضوعه هو (الإقدام لو وجب الغسل) فما معنى هذا التفكيك؟

قلت: إنّ تقيّد (لا ضرر) بعدم الإقدام كان مستظهراً من نفس (لا ضرر)، فيستظهر منه بتقريب يأتي: أنّ موضوعه هو (عدم الإقدام لولا لا ضرر)، وأمّا تقيّد وجوب الغسل بالإقدام فليس بالاستظهار العرفي منه حتّى يُقال مثلاً: يجب أن يستظهر من كليهما بشكل واحد، وإنّما هو بحكم العقل، باعتبار أنّ العامّ لابدّ من تقيّده بنقيض عنوان المخصّص أو الحاكم مثلاً، ومن المعلوم أنّه لابدّ في التخصيص من إخراج العنوان المأخوذ في المخصّص، ولابدّ من حساب ذلك بالتدقيق العقلي، ولا يرتبط ذلك باستظهار من نفس دليل العامّ. وعليه نقول: إنّ العنوان المأخوذ في المخصّص كان هو عدم الإقدام لولا (لا ضرر) فيبقى تحت العامّ نقيض ذلك وهو الإقدام لولا (لا ضرر)، وهذا مساوق لقولنا: (الإقدام لو وجب الغسل) فإنّ قولنا: (لولا لا ضرر) يساوق قولنا: (لو وجب الغسل)؛ إذ لو لم يجر (لا ضرر) وجب الغسل لا محالة.

بقي الكلام في أنّه هل نستظهر من (لا ضرر) كون عدم الإقدام المأخوذ فيه بالنحو المذكور في الاحتمال الأوّل، أي: عدم الإقدام لولا لا ضرر، أو نستظهر منه كونه بالنحو المذكور في الاحتمال الثالث، أي: لو جرى لا ضرر لما ثبت إقدام؟

الصحيح: هو الأوّل، بيان ذلك: أنّ قيد عدم الإقدام اُخذ من قرينة متّصلة وهي

606

امتنانيّة القاعدة، باعتبار أنّ نفي الضرر إنّما يكون امتنانيّاً إذا لم يكن الشخص مُقدماً على الضرر، كما سوف يأتي بيانه إن شاء اللّه. والظاهر من القاعدة أنّها تنظر الى موارد امتنانيّة نفي الضرر حتّى تجري، فهي لا تنظر الى عدم الإقدام الناشىء من نفس (لا ضرر)، وإلّا لكان معنى ذلك: أنّ (لا ضرر) بنفسها تكوّن مورد الامتنان ثمّ تجري.

وقد تحصّل من تمام ما ذكرناه: أنّ الإقدام على الضرر ثابت في باب الإجناب العمدي لما عرفت من أنّ العبرة بالإقدام لولا (لا ضرر)، أو قل: إنّ العبرة بالإقدام لو وجب الغسل، ومن المعلوم أنّه لو لم تكن (لا ضرر) جارية، وكان وجوب الغسل مترتّباً على الإجناب فقد تحقّق منه الإقدام على ذلك حتما، ومن هنا ننتقل الى الأمر الثاني.

الأمر الثاني: في أنّ (لا ضرر) هل هو مقيّد بعدم أيّ إقدام على الضرر، أو بعدم إقدام خاصّ ليس منه الإقدام في مسألة الغسل؟

لا إشكال في أنّ تقييد قاعدة (لا ضرر) بعدم الإقدام ليس من ناحية ذكر كلمة (الإقدام) في نصّ القاعدة واشتراط عدمه حتّى يتكلّم فيما هو المستفاد عرفاً من كلمة (الإقدام)، وأنّه هل يشمل كلّ إقدام، أو لا ؟

وإنّما الوجه في اشتراط الإقدام هو كون حديث (لا ضرر) بحسب مناسبة الحكم والموضوع محمولاً على الامتنان، وإذا كان للعبد غرض عقلائي في تحمّل ضرر ورَفَعَه الشارع بـ(لا ضرر) كان ذلك خلاف الامتنان عليه، واُقصد بذلك كونه خلاف الامتنان بحسب النظر العرفي الساذج، وإلّا فقد يكون صلاحه الواقعي في منعه عن هذا الضرر، فليس ذلك خلاف الامتنان واقعاً، ولكنّ المولى حينما يذكر صيغة امتنانيّة في تشريع قانون لعبيده تحمل على الامتنان بالنظر البسيط الموجود عند العبيد، فمثلاً: حينما يريد الأب أن يكلّم ولده بلغة العطف والامتنان لا يُظهر الامتنان عليه بما صدر منه من منعه عن التوصّل الى جملة من أغراضه وإن كان ذلك بحسب الواقع في صالحه، وإنّما يمنّ عليه بأنّه أعطاه المال وذهب به الى المنتزه الفلاني ونحو ذلك ممّا يناسب ذوق الولد.

نعم، لو فرض أنّ الضرر الذي أقدم عليه العبد لم يكن فيه غرض عقلائي، وإنّما كان لمجرّد غرض سفهي، فهنا يثبت الامتنان العرفي في رفعه، ويشمله حديث (لا ضرر) بإطلاقه.

أمّا إذا كان إقدامه على الضرر إقداماً عقلائيّاً، فهنا تارة يفرض أنّ الغرض قد

607

تعلّق ابتداءً بالشيء الضرري، كما إذا تعلّق الغرض بالمعاملة الغبنيّة.

واُخرى يفرض تعلّقه ابتداءً بمعلول الضرر، فيقع في نفسه التزاحم بين غرضه المتعلّق بمعلوله وبين الضرر، فيقدّم جانب الغرض.

وثالثة يفرض تعلّقه ابتداءً بعلّة الضرر، وإنّما يلتزم بما يترتّب عليه من الضرر من باب أنّه لا يمكنه التفكيك بين العلّة والمعلول، ويترتّب ذلك قهراً على ما هو مصبّ غرضه، فلو رفع المولى ذلك الضرر، وأمكن توصّل العبد الى غرضه من دون ترتّب الضرر، كان ذلك منّة عليه.

ففي القسم الثالث: وهو فرض تعلّق الغرض بعلّة الضرر لا وجه لانصراف (لا ضرر) عنه ـ باستثناء مورد خاصّ يأتي إن شاء اللّه ـ لثبوت المنّة في نفي ذلك، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ غرضه الأوّلي متعلّق بالإجناب، وإنّما يقدم على الغسل على أساس اعتقاده بكون ذلك لازماً قهريّاً لا مهرب منه، ويرى غرضه أرجح من التخلّص من هذا الضرر ومن اُمنياته أن يرفع الشارع عنه هذا الضرر، فيتوصّل الى مقصوده من دون أيّ تبعة عليه، فالصحيح في هذا القسم هو جريان (لا ضرر) ولم يبق فرق في ذلك بينه وبين فرض سفهيّة الغرض.

وأمّا في القسمين الأوّلين فلا يجري (لا ضرر) بعد فرض كون الغرض عقلائيّاً، إذا كان جريانه مانعاً تكويناً عن توصّل الشخص المتضرّر الى غرضه العقلائي، كما إذا اُريد إجراء (لا ضرر) لنفي لزوم البيع الغبني، مع أنّه خلاف غرض المغبون إذا تعلّق غرضه باللزوم ولو من باب أنّه لو كان البيع قانوناً غير لازم لما أقدم صاحبه على هذه المعاملة وهو محتاج الى هذه المعاملة(1).

وكذا لا يجري (لا ضرر) إذا كان جريانه مانعاً تشريعاً عن توصّل المتضرّر الى غرضه العقلائي، كما لو تعلّق غرضه العقلائي بقطع يده واُريد نفي جواز ذلك بـ(لا ضرر).

وأمّا إذا لم يكن جريان (لا ضرر) مانعاً عن توصّله الى غرضه لا تكويناً ولا


(1) أمّا لو لم يتعلّق غرضه باللزوم فلم يملّك صاحبه الالتزام بعدم التراجع، وهذا يعني أنّه أجرى المعاملة بشرط الخيار في حين أنّ صاحبه لم يجرِ المعاملة على هذا الشرط، فهذا يدخل في مسألة اختلاف الإيجاب عن القبول في ثبوت شرط وعدمه، وأفاد اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)أنّه ـ عندئذ ـ يبطل البيع.

608

تشريعاً، فيجري (لا ضرر).

مثاله: ما إذا تعلّق غرضه بالغُسل أو الوضوء لحاجة ما الى استعمال الماء رغم كونه ضرريّاً، واُريد نفي وجوب ذلك بـ(لا ضرر)، فهنا يجري (لا ضرر) وينتفي الوجوب؛ لأنّ نفي وجوب ذلك لا يمنع هذا الشخص تكويناً ولا تشريعاً عن التوصّل الى غرضه، ولو مع لزوم بطلان هذا الغسل أو الوضوء بإجراء (لا ضرر)، فإنّه على أيّ حال يمكنه التوصّل الى غرضه باستعمال الماء، وعندئذ يكون نفي الوجوب امتنانيّاً بنظر العرف، فلو قال المولى: أنا لا اُلزِمُك بالعمل الفلاني الشاقّ ولو كنت راغباً في نفسك الى ذلك العمل، كان ذلك امتناناً عرفاً، فتجري قاعدة (لا ضرر).

نعم، إذا كان غرضه متعلّقاً بالغسل أو الوضوء بما هو امتثال لأمر المولى، فهنا يكون نفي الأمر بـ(لا ضرر) مانعاً عن توصّله الى غرضه، ولكن مع ذلك تجري قاعدة (لا ضرر)؛ لأنّ المركوز عدم الاعتناء بهذا النحو من الغرض ممّا يُرى تحكّماً في حكم المولى وأمره ونهيه.

هذا. وقد ظهر بما ذكرناه الفرق بين باب المعاملة الغبنيّة وباب تعلّق الغرض بالغسل والوضوء، سواء فسّرنا ذلك بتعلّق الغرض بالعمل بما هو امتثال للأمر، أو فسّرناه بتعلّق الغرض بذات العمل ولو لم يكن أمر، وهذا تهافت آخر قد يبدو بين الفتاوى في عدم إجراء (لا ضرر) في المعاملة الغبنيّة وإجرائه في الغسل والوضوء قد ظهر حلّه، كما ظهر حلّ التهافت بين الحكم بعدم جريان (لا ضرر) في المعاملة الغبنيّة العمديّة، وجريانه في مسألة الإقدام على الإجناب مع العلم بمضرّيّة الغسل(1).

 


(1) وحاصل الحلّ: أنّه في باب الإجناب تكون رغبة الشخص متعلّقة بالعلّة وهي الإجناب، لا بالمعلول الضرري وهو الغسل، والرغبة لا تسري من العلة إلى المعلول، وإنّما تسري من المعلول إلى العلة بنكتة المقدّميّة، إذن فالغسل غير مرغوب فيه، ويكون رفعه بـ(لا ضرر) امتنانيّاً، أو قل: إنّ إبطال الشريعة للمعلول لا يوجب بطلان ما هو المطلوب بالذات وهو العلّة؛ كي تلزم مخالفة الامتنان، أمّا في باب المعاملة الغبنيّة فالإقدام مباشرة كان إقداماً على نفس الأمر الضرري وهو اللزوم، فهو الأمر المرغوب فيه بالذات من قبل الشخص ولا امتنان في رفعه.

إلّا أنّ هذا الكلام كما ترى غير صحيح، فإنّ رغبة هذا المشتري المغبون إنّما تعلّقت

609

والمحقّق النائيني(قدس سره) تعرّض ـ أيضاً ـ الى ذكر التهافت الذي أشرنا إليه أخيراً وحللناه من التفرقة بين من رغب في المعاملة الغبنيّة ومن رغب في الغسل أو الوضوء مع الضرر، وذكر(قدس سره) في مقام حلّه: أنّ الفرق نشأ من ناحية أنّ الإرادة في مثال المعاملة الغبنيّة فوق الحكم ولا تكون مقهورة له، وفي مثال الغسل والوضوء يكون تحت دائرة الحكم وفي مرحلة الامتثال، فهي مقهورة للحكم(1).

وهذا الجواب لا محصّل له، وكأنّه نشأ من ضيق الخناق، فإنّه إذا كانت له في ذاته رغبة إلى العمل فأيّ معنىً لفرض إقدامه وإرادته مقهوراً تحت الحكم؟!

ثمّ إنّ ظهر لك الضابط للإقدام الذي يكون مانعاً عن جريان (لا ضرر) تعرف عدم صحّة ما ذكر في المقام من عدم جريان (لا ضرر)؛ لأجل الإقدام في جملة من الفروع: منها ما مضى من مسألة الإقدام على الجنابة مع العلم بمضريّة الغسل، ومنها مسألة من استعار، أو استأجر أرضاً، أو خشبة فزرع الأرض، أو وضع الخشبة في بناء بيته ثم انتهى وقت الإجارة، أو العارية فطالب بها صاحبها، وكان ردّها إليه مستلزماً لخراب الزرع أو البيت.

 


بالشراء وبلزوم العقد من طرف البايع، ولا رغبة له في لزوم العقد من طرفه، وإنّما أقدم على هذا اللزوم من باب أنّ اللزوم من هذا الطرف واللزوم من ذاك الطرف متلازمان، والرغبة لا تسري من أحد المتلازمين الى الآخر، فإنّ الرغبة لا تسري من شيء الى شيء آخر بالتبع، إلّا بنكتة المقدّميّة، فتسري الرغبة من أحد المتلازمين الى علّته، ولا تسري الى ملازمه ابتداءً ولا بواسطة العلّة؛ لأنّ سريانه الى الملازم الآخر بواسطة العلّة يعني سريان الرغبة من العلّة الى المعلول، وقد قلنا: إنّ هذا لا يكون، أو قل: إنّ إبطال الشريعة لأحد المتلازمين لا يوجب بطلان المتلازم الآخر، فإذا كان المطلوب بالذات هو المتلازم الآخر لم يكن إبطال المتلازم الأوّل خلاف الامتنان، وعلى أيّة حال فمن الواضح أنّ جريان (لا ضرر) في المقام لرفع اللزوم من طرف المغبون امتناني، فإذا كان السبب في اشتراط قاعدة (لا ضرر) بعدم الإقدام على الضرر هو امتنانيّة القاعدة، فهذا لا يوجب عدم جريان (لا ضرر) في المقام.

نعم، يمكن تبرير عدم جريان (لا ضرر) في البيع الغبني لمن دخل فيه عالماً عامداً بوجه آخر وهو: أنّ الشرط الضمني الارتكازي يقتضي في المقام عدم الخيار للمغبون على الغابن، أي: أنّ الغابن دخل في هذه المعاملة بناءً على كونها معاملة مستقرّة، ولعلّه لم يكن يقبل بها لو كان يعلم أنّ صاحبه سيفسخ، وهذا الشرط الارتكازي يعطي في نظر العقلاء في مورد علم المغبون بالغبن حقّاً للغابن في اللزوم.

(1) راجع قاعدة (لا ضرر) للشيخ موسى النجفي، ص 217.

610

فلو أجرينا قاعدة (لا ضرر) لنفي حقّ الاسترداد لصاحب الأرض أو الخشبة ثبت جواز إبقاء الأرض، أو الخشبة في يد المستأجر، أو المستعير مع إعطاء اُجرتها.

ولكن قد تُذكر موانع ثلاثة عن جريان القاعدة هنا (والكلام كلّه في فرض الإجارة أو الاستعارة دون الغصب، وأمّا في الغصب فلا إشكال في وجوب الردّ ولو استلزم هدم البيت أو قلع الزرع، وهذا إجماعي عند الشيعة، بل عند المسلمين عدا ما نسب الى بعض، وسيظهر في خلال الكلام أن ذلك، أعني: الحكم بوجوب الردّ في فرض الغصب مطابق للقواعد).

وقبل أن نشرع في بيان وجوه عدم جريان قاعدة (لا ضرر) في فرض الإجارة أو الاستعارة، لا بأس بأن نشير الى الفروض الخارجة عن محلّ البحث وهي ما يلي:

1 ـ أن يشترط صريحاً في ضمن العقد الإبقاء بعد انتهاء أمد المعاملة ولو مع الضمان، فهنا لا إشكال في عدم وجوب الردّ غايته أنّه يضمن اُجرة المثل مثلاً.

2 ـ أن يفرض أنّه صرّح في عقد الإجارة أو العارية بالمنفعة الزراعيّة مثلاً، فكان للكلام ظهور في الشرط الضمني للإبقاء باعتبار معلوميّة عدم كفاية المدّة المفروضة للزراعة. فأيضاً لا يجب الردّ لفرض الشرط ولو ضمنيّاً.

3 ـ أن يفرض أنّه صرّح في العقد بأنّه يؤجّر الأرض لغير المنفعة الزراعيّة، فعندئذ يكون الزرع غصباً، فيلحقه حكم الغصب.

4 ـ أن يفرض انصراف الكلام الى غير المنفعة الزراعيّة من باب وضوح عدم كفاية المدّة المضروبة في الإجارة للزراعة، فحال ذلك حال القسم السابق.

5 ـ أن يفرض التصريح بلزوم الردّ بعد انتهاء المدّة، بأن تكون المنفعة الزراعيّة المتعلّقة للإجارة خصوص الحصّة المتعقّبة بإرجاع الأرض بعد انتهاء المدّة ولو بالقلع، فعندئذ ـ أيضاً ـ يكون زرعه ـ على تقدير عدم التعقّب بالردّ بعد انتهاء المدّة ـ غصباً.

6 ـ أن يفرض التصريح بالردّ بعد انتهاء المدّة والتزام المستأجر بذلك، لكن لا بمعنى كون الداخل في الإجارة خصوص الحصّة المتعقّبة بالردّ، بل مطلق الزرع في المدّة المضروبة داخل في الإجارة، لكنّه حصل الالتزام من المستأجر بالردِّ بعد انتهاء المدّة، فهذا يكون إسقاطاً لحقّه، وما يقال: من (أنّ هذا إسقاط لما لم يجب ولا أثر للإسقاط لما لم يجب) لا يستحقّ الجواب هنا.

وخير مثال للفرض الداخل في محلّ البحث هو ما لو استأجر الأرض لزرع

611

الحنطة مثلاً في مدّة معيّنة تكفي عادة لزرعها، ثمّ لم تكف تلك المدّة لذلك لعوارض وطوارىء خارجيّة كهبوب ريح أو تغيّر في الجوّ ونحو ذلك، وبعد انتهاء المدّة دار الأمر بين إبقاء الأرض تحت يد المتسأجر، أو قطع الزرع.

وما يذكر لعدم جريان قاعدة (لا ضرر) في المقام ووجوب الردّ وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: الإقدام، وقد اختار المحقّق النائيني(قدس سره) هنا تحقّق الإقدام على الرغم من عدم قبوله ذلك في مسألة الإجناب العمدي مع العلم بمضريّة الغسل، وذكر في مقام الفرق بينهما ما ليس له محصّل فنّي يُذكر(1).

والتحقيق بعد غضّ النظر عن أنّه قد لا يكون إقدام، كما لو لم يعلم بأنّه سوف لا ينتهي الزرع قبل المدّة، ومجرّد احتمال تحقّق شيء غير مترقّب لا يثبت الإقدام: أنّه لا فرق من هذه الناحية بين هذة المسألة ومسألة الإجناب، والإقدام الرافع لقاعدة (لا ضرر) غير ثابت هنا؛ لنفس الوجه الذي لم يثبت لأجله هناك، فلو كنّا نحن والإقدام لقلنا: إنّ قاعدة (لاضرر) تجري وتدلّ على عدم وجوب الردّ.

نعم، نلتزم في مورد الغصب بعدم جريان القاعدة، فإنّه وإن كان الضرر معلولاً لما تعلّق غرضه به فيكون داخلاً فيما قلنا: إنّه يجري فيه (لا ضرر)، لكنّا أشرنا الى أنّه يأتي استثناء لذلك، وهنا نذكر ذاك الاستثناء الذي كنّا نقصده وهو: أنّه إذا كان إقدامه على العلّة بنحو محرّم فسوف يكون جريان (لا ضرر) في جانب المعلول فسحاً للمجال له لارتكاب العلّة المحرّمة، وفي مثل هذا الفرض ينصرف عن المورد حديث (لا ضرر) الصادر عن الشارع المحرّم لتلك العلّة المبغوض عنده تحقّقها.

الوجه الثاني: تعارض الضررين؛ إذ لو ردّ العين تضرّر المتسأجر بتلف الزرع، ولو لم يردّها تضرّر المالك في ماله فلا تجري القاعدة.

وتحقيق الكلام في ذلك أنّه تارة يتكلّم في الضرر العيني أي: الضرر باعتبار فوات نفس المملوك بما هي عين خارجيّة، أو بما هي منفعة العين، واُخرى في الضرر المالي أي: الضرر باعتبار قيمة المملوك.

أمّا بلحاظ الضرر العيني فالنقص الوارد على عين المملوك إن كان مع حفظ مقتضي سلطنة المالك عدّ ذلك نقصاً وضرراً، كما في الكافر الحربي الذي لا قصور في مقتضي السلطة بالنسبة له، وإنّما تجوز السرقة منه في طول فرض ثبوت مقتضي


(1) راجع قاعدة (لا ضرر) للشيخ موسى النجفي، ص 218.

612

الحقّ له، وهذا الجواز يكون بعنوان تحقيره وإيذائه وجواز هتك حرمة ماله، فيكون ذلك إضراراً جائزاً.

وأمّا إن كان النقص الوارد على العين من باب قصور أصل مقتضي السلطنة، كما في من أشترى عبداً مشغولاً بحقّ المجنيّ عليه فأخذ صاحب الحقّ حقّه، فهذا ليس ضرراً، والأمر فيما نحن فيه كذلك، فإنّ السلطنتين المتضادّتين لشخصين لا يمكن للعقلاء جمعهما وجعلهما معاً، فإمّا أنّ إحدى السلطنتين غير موجودة، وإمّا أنّ كلتيهما غير موجودة، فلا معنى لتعارض الضررين؛ لأنّ الضرر هنا لم يكن ضرراً تكوينيّاً كما في مثل قطع اليد، وإنّما هو ضرر جعلي عقلائي يتبع فرض وجود حقّ وسلطنة في المرتبة السابقة؛ كي يكون سلب ذلك ضرراً، والظاهر أنّ الأصل الأوّلي في نظر العقلاء هو إعطاؤهم للسلطنة بيد مالك الأرض أو الخشبة، وقد يفرض لشدّة أهمّية الشيء الثابت في جانب المستأجر مثلاً وضآلة ما للمالك إندكاك سلطنة الأخير في سلطنة المستأجر، ومعه تُعطى السلطنة بحسب النظر العقلائي بيد المستأجر.

إن قلت: إنّنا نرى أنّه حتّى لو فرض عدم السلطنة لصاحب البناء على إبقاء البناء على الخشبة لكونه غاصباً مثلاً لو آل أمره الى هدم بناء بيته حتّى يتمكّن من ردّ الخشبة يصدق عرفاً أنّه تضرّر ضرراً عظيماً، فالضرر غير تابع في نظر العرف لتحقّق السلطنة، بل يكفي فيه حصول النقص في عين المملوك.

قلت: حيث إنّ هذا الضرر ليس من الأضرار التكوينيّة كما في مثل قطع اليد، وإنّما هو ضرر جعلي عقلائي يُرى تابعاً لجعل حقّ وسلطنة أو قل: لعموميّة جهة الملكيّة والسلطنة حتّى يكون رفض ذلك ضرراً، فإن لم يكن هكذا فلا يعدّ هدم هذا البناء ضرراً عند العقلاء؛ إذ ليس تصرّفاً في دائرة ملكيّته وسلطنته، وما يُرى من صدق الضرر هـهنا إنّما هو بلحاظ الضرر المالي، ولذا ترى أنّه لدى فرض الغصب لو هدم بيته لإخراج الخشبة وُردّت إليه قيمة البناء لم يعدّ متضرّراً.

وأمّا بلحاظ الضرر المالي فإنّه لا ضرر مالي في المقام؛ إذ في المورد الذي يعطي العقلاء السلطنة بيد المالك نقول: إنّه مخيّر بين إبقاء عينه تحت يد المستأجر مع أخذ اُجرة المثل، واسترداد ماله مع غرامة الضرر المالي الذي يَرِد على المستأجر، وفي المورد الذي يعطي العقلاء السلطنة بيد المستأجر نقول: إنّه مخيّر بين الردّ والإبقاء مع إعطاء اُجرة المثل، وما ذكرناه هو الفتوى المتعارفة لدى

613

الأصحاب (قدس سرهم)، وهو مطابق للقواعد ومستفاد من نفس قاعدة (لا ضرر).

إن قلت: إنّ الغرامة والضمان تدارك للضرر لا رفع للضرر، فكيف يثبت ذلك بلا ضرر؟!

قلت: إنّ ضمان العين هو الذي يكون تداركاً للعين لا رفعاً للضرر؛ لأنّه لا تردّ به العين، وأمّا إذا اقتصرنا على مجرّد ماليّة العين فإعطاء القيمة يعدّ ردّاً لنفس الماليّة، فهو رفع للضمان لا تدارك له.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقّق العراقي(قدس سره): من أنّ (لا ضرر) قانون إرفاقي، وجريانه في المقام لمنع وجوب الردّ يكون خلاف الإرفاق بالنسبة للمالك، وإن كان في صالح المستأجر(1).

ويرد عليه: أنّ (لا ضرر) إنّما يلحظ فيه كونه إرفاقاً وامتناناً بمن يجري في حقّه، فإنّ ظهوره في الامتنانيّة لا يقتضي أزيد من ذلك، ويلحظ فيه ـ أيضاً ـ عدم إيجابه للضرر على شخص آخر حتّى لا يلزم تعارض الضررين، ولا يلحظ فيه شيء زائد على ذلك.

ثمّ إنّ المحقّق العراقي (قدس سره) بعد أن ذكر عدم جريان (لا ضرر) في المقام لكونه إرفاقيّاً، قال: إنّنا نرجع بعد عدم جريانه الى الإطلاقات الأوّلية، والإطلاق الأوّلي في المقام هو قاعدة (سلطنة الناس على أموالهم) وبما أنّه يمكن أن يقال فيما نحن فيه: إنّ قاعدة السلطنة تجري في حقّ مالك الأرض بلحاظ أرضه، وفي حقّ مالك الزرع بلحاظ زرعه، فيتعارضان، تصدّى(قدس سره) لبيان أنّ قاعدة السلطنة لا تجرى بلحاظ كليهما، وإنّما تجري بلحاظ صاحب الأرض فقط، فذكر أوّلاً: ما ظاهره: أنّه تختصّ قاعدة السلطنة بصاحب الأرض، باعتبار أنّ قاعدة السلطنة ـ أيضاً ـ قانون إرفاقي، فهي مشروطة بأن لا يكون العمل بما تثبته من قاعدة السلطنة سبباً للتصرّف في مال الغير، وهنا يكون إعطاء السلطنة بيد صاحب الزرع وعمله بها سبباً للتصرّف في مال الغير وهي الأرض، فلا تجري قاعدة السلطنة في حقّه، وأمّا إعمال صاحب الأرض لسلطنته بالتصرّف في أرضه فليس في نفسه سبباً للتصرّف في مال غيره وهو الزرع


(1) راجع المقالات: ج 1، ص 119 و 121 بحسب طبعة مكتبة البوذرجمهري المصطفوي بطهران.

614

بإخراجه من الأرض، بل يكون مسبّباً عن التصرّف في مال الغير(1)، فهذه السلطنة ثابتة له بحكم قاعدة (تسلّط الناس على أموالهم).

وكأنّه(قدس سره) أدرك أنّ هذا الكلام بهذا المقدار لا محصّل له؛ إذ لم ترد آية ولا رواية تدلّ على تقيّد قاعدة السلطنة بخصوص ما إذا لم يكن العمل بمتعلّق السلطنة سبباً للتصرّف في مال الغير، ولو استظهر قيد من نفس حديث «الناس مسلّطون على أموالهم» فالمستظهر هو اشتراط عدم كون إعمال السلطنة ملازماً للتصرّف في مال الغير، بلا فرق بين أن يفرض هذا سبباً لذاك أو بالعكس، فذكر(قدس سره) في مقام توجيه كلامه وتفسيره ما يتوقّف على اُمور ثلاثة، صرّح هو(قدس سره) بالأمر الأوّل والثاني منها، ويستخلص من كلامه الأمر الثالث:

الأمر الأوّل: أنّ تخليص المالك يكون في طول إشغال الزارع ومتأخّراً عنه رتبة، فإنّ نسبته إليه كنسبة الدفاع الى الهجوم.

الأمر الثاني: أنّه إذا كان التخليص في طول الإشغال، فتسلّط المالك على التخليص يكون في طول تسلّط الزارع على الإشغال، وعليه فعدم تسلّط المالك على التخليص ـ أيضاً ـ يكون متأخّراً عن تسلّط الزارع على الإشغال حفظاً لاتّحاد رتبتي النقيضين.

الأمر الثالث: أنّ قاعدة السلطنة بما أنّها إرفاقيّة ـ كما مضى ـ لابدّ من تقييدها، وتقييدها يمكن بأحد نحوين:

الأوّل: أن تُقيّد سلطنة الشخص على ماله بعدم استلزامها للتصرّف في مال الغير بغضّ النظر عن أنّ هذا الغير ممّن له سلطنة على ماله أو لا.

الثاني: أن تقيّد سلطنة الشخص على ماله بعدم مزاحمتها لسلطنة الغير على ماله أي: عدم لزوم التصرّف في مال الغير عند فرض كون ذلك الغير مسلّطاً على ماله. وبما أنّ القيد الثاني أضيق دائرة من الأوّل أي: أنّ ما يخرج به عن إطلاق القاعدة أقلّ ممّا يخرج بالقيد الأوّل، يكون الثاني هو المتعيّن عند دوران الأمر بينهما، فإنّ لم يمكن التقييد الثاني تصل النوبة الى التقييد الأوّل.

إذا عرفت هذه الاُمور قلنا: إنّ سلطنة المالك على التصرّف في الأرض مقيّدة


(1) كأنّ المقصود أنّه لولا تصرّف صاحب الزرع في الأرض لما اضطر صاحب الأرض في إعمال سلطنته على أرضه الى التصرّف في الزرع.

615

بالقيد الثاني أي: بعدم سلطنة للزارع مزاحمة لسطنة المالك؛ إذ لا مانع من هذا القيد، وأمّا سلطنة الزارع على ماله فليست مقيّدة بعدم سلطنة لصاحب الأرض مزاحمة لتلك السلطنة؛ لما عرفت من أنّ سلطنة صاحب الأرض وعدمها متأخّرة رتبة عن سلطنة الزارع، وتقيّد الشيء بالمتأخّر عنه رتبة محال، وعليه فتصل النوبة الى التقييد الأوّل، فتقيّد سلطنة الزارع بعدم استلزامها للتصرّف في مال صاحب الأرض، وبما أنّ استلزامها للتصرّف في ذلك ثابت تكويناً تنتفي سلطنة الزارع، وبانتفائها يتحقّق موضوع سلطنة صاحب الأرض من عدم المزاحمة لسلطنة الغير، فتثبت السلطنة لصاحب الأرض(1).

أقول: إنّ هذا الكلام باطل من وجوه؛ إذ يرد عليه:

أوّلاً: منع المقدّمة الاُولى، فإنّ تصرّف صاحب الأرض في أرضه يكون في عرض إشغال الزارع إيّاها، وهما عملان متواردان على الأرض لا يجتمعان في مورد واحد، فالأرض إمّا أن تكون تحت يد المالك، أو تكون تحت يد الزارع، وكونها تحت يد هذا في عرض كونها تحت يد ذاك ولا طوليّة بينهما.

وثانياً: منع ما في المقدّمة الثانية من الطوليّة بين السلطنتين، فإنّه لو سلّمنا الطوليّة بين التصرّفين لا تثبت بذلك الطوليّة بين السلطنتين أوّلاً: لمنع كون الطوليّة بين المعروضين مستلزمة للطوليّة بين العارضين، وثانياً: لمنع كون السلطنة على التصرّف عارضاً على التصرّف الخارجي، فقد تتحقّق السلطنة على التصرّف من دون تحقّق التصرّف. نعم، هي ذهناً مقيّدة بالتصرّف أي: أنّها سلطنة على التصرّف.

وثالثاً: لو سلّمنا الطوليّة بين السلطنتين لا يلزم من ذلك كون عدم سلطنة المالك في طول سلطنة الزارع، إلّا بناءً على القول بوحدة رتبتي النقيضين، وهذا غير صحيح عندنا.

ورابعاً: منع المقدّمة الثالثة: من أنّ السلطنة يمكن تقييدها بوجهين، فنقيّدها بالوجه الثاني الذي هو أقلّ تخصيصاً، فإن لم يمكن فبالوجه الأوّل.


(1) راجع المقالات: الطبعة المذكورة قبل قليل ج 2، ص 120، وكأنّ ما ذكره اُستاذنا(رحمه الله)هنا توجيه لكلام المحقّق العراقي، واقتناص لوجه فنّي من كلامه بالاستيحاء، وإلّا فالعبارة قاصرة عن أداء مثل هذا المعنى، إلّا أن يكون هذا مأخوذاً من تقرير لبحثه غير موجود عندي، لا من المقالات.

616

فإنّ هذا الحساب غير صحيح، بل يجب أن يحسب حساب آخر هو أن يُرى أنّ ملاك التقييد يوجب التقييد بأيّ شيء؟ فنرى أنّ ملاك التقييد هو الإرفاق، وذلك يوجب التقييد بعدم استلزام التصرّف في مال الغير وهو القيد الأوّل، وأمّا القيد الثاني وهو عدم المزاحمة لسلطنة الغير فليس هذا إرفاقاً، وإنّما هو شيء عقلي من باب استحالة وجود سلطنتين متضادّتين.

ثمّ إنّ الصحيح أنّ قاعدة السلطنة ليس لها إطلاق حتّى يكون لهذا البحث الذي ذكره هو(قدس سره) موضوع، فإنّ رواية «الناس مسلّطون على أموالهم» مرسلة غير مشمولة لأدلّة الحجيّة، والروايات الخاصّة في الموارد الخاصّة لا إطلاق لها، وأمّا الإجماع والسيرة فمن المعلوم أنّ المتيقّن منهما لا يشمل المقام بنحو يترتّب عليه هذا البحث الذي ذكره.

نسبة (لا ضرر) الى الأحكام الأوّليّة

الأمر الثالث: في نسبة القاعدة مع أدلّة الأحكام الأوّليّة، وهنا قالوا بتقدّم القاعدة على أدلّة الأحكام الأوّليّة، وهناك عدّة تقريبات لإثبات هذه الدعوى:

التقريب الأوّل: دعوى تقدّم القاعدة على أدلّة الأحكام وإن كان بينهما عموم من وجه، وذلك باعتبار كون القاعدة قطعيّة السند، وتلك الأدلّة ظنيّة السند ومعه تصبح الأخيرة معارضة للسنة القطعيّة.

وهذا الوجه لا يتمّ في موارد قطعيّة دليل الحكم الأوّلي، وأمّا في سائر الموارد فتماميّته موقوفة أوّلاً على إثبات التواتر ولو إجمالاً للقاعدة، وقد مضى منّا منع ذلك، وثانياً على عدم تماميّة جمع دلالي بينهما حتّى يستحكم التعارض وسوف ترى أنّ هذا أيضاً في غير محلّه.

التقريب الثاني: أنّ القاعدة وإن كانت معارضة بالعموم من وجه لكلّ واحد من الأدلّة الأوّليّة، ولكن لو قسناها الى مجموع الأدلّة لكانت أخصّ منها مطلقاً، فتقدّم عليها.

وأورد على ذلك السيد الاُستاذ: بأنّ المعارضة إنّما وقعت بين كلّ واحد من تلك الأدلّة وهذه القاعدة، والنسبة بينهما عموم من وجه، ولا يوجد عندنا دليل يسمّى مجموع الأدلّة حتّى نوقع التعارض بينه وبين هذه القاعدة، ونقدمّها عليه بالأخصيّة(1).


(1) راجع الدراسات: ج 3، ص 333.

617

أقول: إنّ هذا الكلام تامّ بناءً على أنّ الوجه في تقديم الخاصّ على العامّ هو الأظهريّة مثلاً من دون الاعتراف بأنّ الفاصل الزمني بين كلمات الشارع يعتبركلافصل.

وأمّا بناءً على ما سوف ياتي في محلّه تحقيقه ـ إن شاء اللّه ـ من أنّ الشارع حيث نصب قرينة عامّة على كونه بانياً على التدرّج في الكلام يُرى أنّ الفاصل الزمني بين كلماته كأنّه غير موجود، ولولا ذلك لم نقبل تقديم الخاصّ على العامّ، فإنّ العرف لا يجمع بين كلامين متنافيين بمجرّد كون أحدهما أخصّ من الآخر، بل يرى التعارض بينهما مستحكماً، وعند اتصال الخاصّ بالعامّ يرى بمقتضى السياق أنّ الخاصّ قرينة على العامّ، وكذلك إذا نصب المتكلّم قرينة عامّة على التدرّج في الكلام أصبح ـ بلحاظ عالم الحجيّة ـ الفصل بين كلماته كلافصل، فيقدّم الخاصّ على العامّ؛ لقرينيّته عليه لدى فرض الاتّصال. فعندئذ تتقدّم قاعدة (لا ضرر) على مجموع الأدلّة؛ لكونها أخصّ من المجموع؛ لأنّ الاتّصال لا يفرض بين كلّ واحد من تلك الأدلّة وهذه القاعدة فقط، بل يفرض الاتصال بينها وبين الكلّ معاً، ومن المعلوم أنّه لو كانت كلّ تلك الأدلّة مع تلك القاعدة متّصلاً بعضها ببعض لكانت القاعدة قرينة على تخصيص كلّ الأدلّة، فتقدّم على الكلّ(1).

التقريب الثالث: أنّ الأمر دائر بين أن تقدّم القاعدة على كلّ الأدلّة الأوليّة، أو تقدّم كلّ الأدلّة الأوليّة على القاعدة، أو يقدّم بعضها على القاعدة دون بعض، والثالث يوجب الترجيح بلا مرجح والثاني يوجب لغويّة القاعدة وسقوطها رأساً،


(1) لا يخفى أنّ ديدن الشريعة وعادتها إن كان قائماً على فصل المتّصلات بحيث يعتبر العرف الفصل كلا فصل، صحّ ما ادّعي في المقام، وكان حال ذلك حال ما لو تكلّم المتكلّم بالعامّ ثم غشي عليه ساعات ثمّ أفاق وتكلّم بالمخصّص، وإذا بلغ الأمر الى هذا المستوى كانت القرينة المنفصلة هادمة للظهور، ولكنّ الظاهر أنّ هذا المستوى من العادة للشريعة غير ثابت في المقام، وأمّا ما يكون دون ذلك من العادة ممّا لا يسقط الظهور، فلو أفاد شيئاً فإنّما يفيد بمقدار أن يبنى رغم الانفصال على قرينيّة أحدهما على الآخر، وأمّا تعيين كون القرينة هو الخاصّ مثلاً رغم أنّ قرينيّته كانت نتيجة الاتّصال المفقود في المقام بالانفصال الذي ليس كلا انفصال، فيتوقّف على دعوى أنّ جعل ما كان قرينة لدى الاتّصال قرينة لدى الانفصال أولى من جعل ما لم يكن قرينة لدى الاتّصال قرينة لدى الانفصال، وليس هناك وجه واضح لهذه الأولويّة، فبعد ما فقدنا الاتّصال يكون المحذوران متساويين، ولا يرجعان الى الأقلّ والأكثر.

618

فيتعيّن الأوّل، وهو المطلوب.

وأورد على ذلك السيد الاُستاذ: بأنّ الثالث لا يستلزم الترجيح بلا مرجّح، فإنّ الأدلّة الأوليّة بعضها مطلقة وبعضها عامّة، والقاعدة مطلقة، والتعارض إنّما يستحكم بين مطلق ومطلق، وأمّا المطلق مع العامّ فيقدّم العامّ عليه، فتقديم بعض الأدلّة الأوليّة وهي العمومات على القاعدة ليس ترجيحاً بلا مرجّح، فالعمومات تقدّم على إطلاق القاعدة، والإطلاقات تتعارض مع إطلاقها ويتساقطان(1).

أقول: إنّ هذا الكلام وإن كان رفعاً لمحذور الشقّ الثالث، ولكنّه رجوع الى محذور الشقّ الثاني، فإنّه على كلّ حال قد فرض سقوط القاعدة رأساً بتقدّم العامّ عليها في بعض الموارد، وبالتساقط مع المطلقات في الباقي.

هذا. ويمكن توجيه ما عرفته من التقريب الثالث(2): بأن يكون مراد من ذكره أنّ (لا ضرر) بنصوصيّته على نفي الضرر في الجملة وتخصيص بعض الأحكام يقدّم على المجموع، فيوقع التعارض بين أدلّة الأحكام الأوليّة أنفسها، وبعد التساقط نرجع الى إطلاق (لا ضرر). ولا يرد على ذلك أنّه إذا وقع التعارض بين أدلّة الأحكام الأوليّة أنفسها قدّمت عموماتها على إطلاقاتها، فإنّ تقديم العموم على الإطلاق إنّما نقول به عند تعارضهما بالتكاذب الصريح، فنقول ـ عندئذ ـ: إنّ العامّ قد يكون بأقوائيّته قرينة على رفع اليد عن الإطلاق، ولكن إذا كان تعارضهما بملاك تشكّل العلم الإجمالي بكذب أحدهما فلا يأتي هذا الكلام.

ويمكن الاستشكال في هذا التقريب بعد توجيهه بما عرفت بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّه لا وجه للرجوع الى إطلاق (لا ضرر) بعد تساقط إطلاقات


(1) راجع الدراسات: ج 3، ص 333 ـ 334.

(2) كأنّ السبب في حاجة هذا التقريب الى التوجيه رغم ما مضى من الاعتراض على ما أورده السيد الخوئي(رحمه الله) عليه: أنّ ذاك الاعتراض لا يصحّح التقريب بكامل جوانبه؛ وذلك لأنّ خلاصة الاعتراض على كلام السيد الخوئي والذي هو تأييد لذاك التقريب هي: أنّه لو قدّمت العمومات على (لا ضرر) واُسقط (لا ضرر) بالتعارض مع المطلقات لزم سقوط (لا ضرر) نهائياً، فهذا الشقّ الثالث ـ أيضاً ـ باطل كالشقّ الثاني، ولكنّ هذا كما ترى لا يثبت الشقّ الأوّل كاملاً؛ إذ يمكن أن يقال: إنّه يكفي لعدم سقوط (لا ضرر) نهائياً تقديمه على المطلقات فقط، فالعمومات تقدّم على (لا ضرر) لأرجحيّة العموم على الإطلاق و (لا ضرر) يقدّم على المطلقات؛ لكي لا يلزم سقوطه نهائياً، فدفعاً لهذا الضعف احتجنا الى التوجيه الوارد في المتن.

619

الإدلّة الأوليّة، فإنّه يكون معارضاً لتلك الإطلاقات، ويتساقط الكلّ في عرض واحد.

وتحقيق هذا الوجه يبتني على بحث مضى في بعض الأبحاث السابقة: وهو أنّه إذا كان عندنا تعارضان ولم يمكن تقديم أحد المتعارضين بعينه في واحد من التعارضين مع تقديم أحدهما بعينه في الآخر، فقد يقال بتقديم المعارض الآخر في كلا التعارضين.

وتوضيحه: أنّه إذا تعارض (أ) مع (ب) وتعارض (أ) آخر مع (ب) آخر وفرض أنّه لا يمكن تقديم كلا الباءين على ألفيهما، فهنا يقدّم الألفان على الباءين؛ وذلك لأنّ تقديم كلّ واحد من البائين على ألفه ليس محذوره فقط لزوم ترجيحه على (أ) بلا مرجّح، بل ذلك لا يمكن في نفسه؛ لأنّ الجمع بين الترجيحين غير ممكن حسب الفرض، وترجيح أحد الترجيحين على الآخر ترجيح بلا مرجّح، فيبقى تقديم الألفين على الباءين بلا محذور.

فإن تمّ هذا الكلام ارتفع الإشكال فيما نحن فيه، وإلّا فلا، فالأمر هنا رهين ما اخترناه هناك في ذلك.

وأمّا بيان تطبيق ما ذكرناه على ما نحن فيه فهو أنّ قاعدة (لا ضرر) لها إطلاقات، وكلّ إطلاق منها معارض لإطلاق من إطلاقات الأدلّة الأوليّة، ونسمّي إطلاقات (لا ضرر) بألف وإطلاقات الأدلّة الأوليّة بباء، وتقديم جميع الباءات على ألفاتها ينافي نصوصيّة (لا ضرر) في نفي الضرر في الجملة، وتقديم بعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح.

الوجه الثاني: أنّه بعد تعارض إطلاقات الأدلّة الأوليّة بنصوصيّة (لاضرر) في نفي الحكم الضرري في الجملة لا يسقط كلّ الإطلاقات، بل يبقى بعضها غير المعيّن حجّة؛ لأنّنا علمنا إجمالاً بتخصيص بعضها فقط، فيقع التعارض بين البعض الباقي وإطلاق القاعدة ويتساقطان، وهذا الوجه مبنيّ على تماميّة هذا المبنى، وهو مبنى عدم سقوط كل الإطلاقات عند تعارضها بالعلم الإجمالي بتخصيص البعض، وهذا ما يأتي تحقيقه ـ إن شاء اللّه ـ في بحث التعادل والتراجيح.

التقريب الرابع: هو أنّه تتعارض الأدلّة الأوليّة مع (لا ضرر) ويتساقط الكلّ، ونرجع الى دليل البراءة، وهو مطابق لمفاد القاعدة.

واعترض السيد الاُستاذ على ذلك: بأنّه لا تثبت بذلك الأحكام الإلزاميّة المترتّبة على عدم التكليف، فمثلاً حينما ننفي وجوب الوضوء، أو وجوب الصلاة

620

قائماً عند الضرر بـ(لا ضرر) يثبت بذلك وجوب التيمّم، أو وجوب الصلاة جالساً، وهذا ما لا يثبت بالرجوع الى البراءة(1).

أقول: إنّ لنا علماً إجماليّاً في هذه الموارد مردّداً بين التكليف الثابت بالأدلّة الأوليّة بغضّ النظر عن (لا ضرر)، والتكليف المترتّب على عدم التكليف الأوّل، فنعلم إجمالاً مثلاً بوجوب الوضوء الضرري أو التيمّم، ومقتضى هذا العلم الإجمالي الاحتياط بالعمل بكلا الجانبين ولكن وجوب الاحتياط في جانب الحكم الأوّل الضرري وهو الوضوء في المثال منفيّ بـ(لا ضرر)، وهنا لا يكون (لا ضرر) مبتلى بالمعارض إذا لم يكن وجوب الاحتياط ثابتاً بعموم أو إطلاق، وإنّما كان ثابتاً بحكم العقل الذي يرتفع بثبوت الترخيص، فيبقى لزوم الاحتياط في الجانب الآخر فقط، فبالتالي توصّلنا الى ما يطابق عملاً نتيجة (لا ضرر).

التقريب الخامس: أنّ القاعدة وردت في مقام الامتنان، فتقدّم على سائر الأدلّة.

أقول: هذا التقريب بهذا المقدار يتراءى أنّه لا محصّل له، إلّا أنّه يمكن توجيهه بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: هو أنّ هذا الحديث وارد في مورد الامتنان، فلا يناسب ورود التخصى عليه، فيكون أظهر في الشمول من الأدلّة الأوليّة، فيقدّم عليها. وهذا الوجه واضح الضعف.

الوجه الثاني: أنّ القاعدة بما أنّها وردت في مقام الامتنان فقد فرض في موضوعها ثبوت المقتضي للحكم في نفسه حتّى يتعقّل الامتنان في رفعه، فهي ناظرة الى الأحكام الأوليّة فتقدّم عليها. وهذا الوجه هو أحد تقريبات الحكومة التي سوف تأتي إن شاء اللّه.

التقريب السادس: الحكومة، وقد ذكر المحقّق النائيني(قدس سره) هنا كلاماً في أصل قانون الحكومة محاولاً تطبيقها على المقام(2)، ونحن نقتفي هنا أثره فنقول:

أمّا الكلام في أصل قانون الحكومة فالذي يتحصّل من مجموع ما ذكره


(1) راجع الدراسات: ج 3، ص 333.

(2) راجع قاعدة (لا ضرر) للشيخ موسى النجفي ص 314 ـ 315 بحسب ما هو مطبوع في ملاحق منية الطالب، ج 2.

621

المحقّق النائيني(قدس سره) وما ذكرته مدرسته بما فيهم السيد الاُستاذ هو: أنّ الفرق بين التخصيص والحكومة: هو أنّ قرينيّة الخاصّ في التخصيص على العامّ قرينيّة عقليّة أي: بما أنّ العقل يحكم بأنّ المولى لا يصدر منه حكمان متضادّان، وأنّ العامّ والخاصّ متضادّان فيثبت لديه أنّ أحدهما لم يقصد به ظاهره، وبما أنّ الخاصّ هو الأظهر، فيتحفّظ على ظهوره، ويرفع اليد عن ظهور العامّ.

وأمّا في الحكومة فالقرينيّة تكون بالدلالة العرفيّة، فالحاكم بلسانه ينظر الى المحكوم ويفسّره، وهذا على قسمين: أحدهما: ما يكون ناظراً الى عقد الموضوع ومتصرّفاً فيه توسعة أو تضييقاً. والثاني: ما يكون ناظراً الى عقد المحمول. فالأوّل كما في: (لا ربا بين الوالد وولده)، والثاني كما في دليل نفي الحكم الحرجي، والحاكم في كلا القسمين مقدّم على المحكوم من دون ملاحظة النسبة بينه وبين المحكوم.

أمّا تقدّم الأوّل: فلأنّه يرفع موضوع دليل الحكم الأوّلي، فليس منافياً ومعارضاً له، فإنّ دليل الحكم الأوّلي كقوله: «يحرم الربا» يدلّ في الحقيقة على قضية شرطيّة: وهي إن كان هذا ربا فهو حرام، وصدق القضية الشرطيّة لا يستلزم صدق طرفيها، فيجوز للدليل الحاكم أن يدلّ على عدم الشرط، ولا توجد أيّ معارضة بين دليل عدم تحقّق الشرط خارجاً ودليل الملازمة الشرطيِّة بين تحقّق الشرط وتحقّق الجزاء، وبكلمة اُخرى: أنّ دليل حرمة الربا لا يتعرّض لصدق الربا وعدمه، والدليل الحاكم إنّما يدلّ على عدم صدق الربا، ويرفع موضوع دليل حرمة الربا.

وقال المحقّق النائيني(رحمه الله): إنّ هذه هي نكتة الجمع بين الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ مع تضادّهما، فإنّ الأمر بالمهمّ معلّق على شيء وهو القدرة، والأمر بالأهمّ يُفني بامتثاله المعلّق عليه المهمّ؛ إذ بامتثال الأمر بالأهمّ يخرج المكلّف عن كونه قادراً (1).

وأمّا تقدّم الثاني فلأنّ التعارض بين القسم الثاني والأدلّة الأوليّة وإن كان مستحكماً؛ لأنّه لا يفني شرط القضيّة الشرطيّة المبيّنة للحكم الأوّلي بل يكون الشرط مفروغاً عنه ويخصّص الجزاء، فهو معارض للدليل الأوّلي، إلّا أنّه يتقدّم عليه باعتبار أنّه يرفع موضوع الإطلاق فيه وهو الشكّ، فإنّه يثبت العلم تعبّداً، ولهذا يكون حاكماً؛


(1) راجع قاعدة (لا ضرر) المطبوعة في ملحق ج 2 من منية الطالب للشيخ موسى النجفي، ص 215.

622

إذ بعد التحليل وصلنا الى رفع الموضوع.

أقول: إنّ تمام هذا الكلام قابل للمناقشة:

أمّا ما ذكر من أنّ الفرق بين التخصيص والحكومة: هو أنّ القرينيّة في التخصيص عقليّة، وفي الحكومة تكون بالدلالة العرفيّة فغير صحيح.

والتحقيق: أنّ الدلالة في كليهما عرفيّة، وإنّما الفرق بينهما: هو أنّ قرينيّة الحاكم تكون بظهور عرفي لنفس الحاكم في القرينيّة والمفسّريّة للمحكوم، وقرينيّة المخصّص تكون بظهور عرفي لسياق مجموع الكلام من المخصِّص والمخصَّص إذا كان أحدهما متّصلاً بالآخر ـ ويقصد بالظهور السياقي الظهور الناشىء من نسبة بعض أجزاء الجملة الى بعض من حيث التقديم والتأخير أو التخصيص والتعميم أو غير ذلك ـ فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) و (لا تكرم النحويين) فمقتضى الظهور السياقي كون قوله: (لا تكرم النحويين) هو القرينة على التصرّف في (أكرم كلّ عالم)، وباعتبار اتّصال المخصِّص بالكلام لا ينعقد ظهور للكلام في العموم، وأمّا إذا كان أحدهما منفصلاً عن الآخر، فلو كان في كلام من يكون الانفصال في كلامه بحكم الاتّصال، كما هو الحال في الشارع الأقدس على ما سوف يأتي في محله ـ إن شاء اللّه ـ من أنّه جرت عادة الشارع الحكيم على الفصل بين أشياء من هذا القبيل، وأنّ وظيفتنا هي اعتبار الفصل بين كلماته كلافصل، وفرض الجمل المنفصلة في كلامه ككلام متّصل بعضه ببعض، فأيضاً يكون تقديم المخصِّص على أساس ما له من قرينيّة سياقيّة لو كان متّصلاً، فيقدّم المخصِّص على العامّ وتنهار به حجيّة العموم، لا أصل الظهور في العموم؛ لكونه منفصلاً بالفعل.

وأمّا لو كان في كلام إنسان عادي ليس مبناه على الفصل بين المتّصلات، فهنا ننكر الجمع بين العامّ والخاصّ بالتخصيص رأساً، بل يكونان كلامين متعارضين ومتنافيين، كما سوف يأتي ـ إن شاء اللّه ـ في محلّه، وإن كان يتراءى في بادىء النظر هذا شيئاً عجيباً يصعب قبوله باعتبار اُنس ذهننا بما قرأناه في الكتب الاُصوليّة من كون التخصيص جمعاً مقبولاً عند العرف.

والسرّ في المعاملة معهما معاملة المتعارضين وعدم كون الجمع بينهما عرفيّاً: هو ما عرفت من أنّ الظهور في القرينيّة إنّما كان مستفاداً من السياق، والمفروض انتفاء السياق بالانفصال بين الجملتين، وهذا بخلاف باب الحكومة، فالحاكم سواءً كان متّصلاً أو منفصلاً يقدّم على المحكوم، فعند الاتّصال يهدم الظهور، وعند

623

الانفصال يهدم الحجّيّة؛ وذلك لأنّ الظهور في القرينيّة لم يكن ظهوراً سياقيّاً حتّى ينتفي بانتفاء السياق، بل كان ظهوراً لفظياً لنفس الحاكم محفوظاً معه سواء اتّصل بالمحكوم أو انفصل عنه.

فتحصّل أنّ الفرق بين قرينيّة المخصِّص وقرينيّة الحاكم أمران:

أحدهما: أنّ قرينيّة المخصّص مستفادة من السياق، وقرينيّة الحاكم مستفادة من نفس الظهور اللفظي للحاكم.

والثاني: أنّ المخصِّص المنفصل إذا لم يكن بحكم المتّصل لم يكن قرينة بخلاف الحاكم.

وأمّا ما ذكر من أنّه في باب الحكومة على عقد الوضع لا يكون دليل الحاكم معارضاً ومنافياً لدليل المحكوم أصلاً؛ لأنّ دليل المحكوم إنّما دلّ على قضية شرطيّة، ودليل الحاكم دلّ على انتفاء الشرط، وسينتفي الجزاء بانتفاء الشرط، وصدق القضية الشرطيّة لا يستلزم صدق طرفيها، فغير صحيح أيضاً؛ وذلك لانّ الشرط بالفعل ثابت، فقوله: «الربا حرام» قد شمل الربا بين الوالد وولده، وقوله: «لا ربا بين الوالد وولده» وإن كان ينفي الجزاء وهو الحرمة بلسان نفي الشرط وهو الربا، لكنّ المفروض أنّنا نعلم بتحقّق الشرط، وصدق القضية الشرطيّة وإن كان لا يستلزم صدق الجزاء عند عدم تحقّق الشرط، لكنّه يستلزم صدق الجزاء عند تحقّق الشرط، ففي ظرف تحقّق الشرط لو دلّ دليل على عدم صدق الجزاء يكون منافياً لا محالة للدليل الأوّل، فالتصرّف في عقد الوضع ـ أيضاً ـ بحسب الحقيقة تصرّف في عقد الحمل، وإنّما الاختلاف في التعبير. فهذا الكلام بهذا المقدار غير تامّ، إلّا أن تضاف إليه فرضيّة سوف تأتي ـ إن شاء اللّه ـ عند تحقيق المطلب، وهي مجرّد فرضيّة غير منطبقة على ظاهر الأدلّة والأخبار.

وبما ذكرناه ظهر الفرق بين المقام وبين باب الترتّب، فإنّ الأمر بالأهمّ يُفني بامتثاله موضوع الأمر بالمهمّ وهو القدرة حقيقة، وأمّا في المقام فدليل الحاكم لا يفني الشرط في دليل المحكوم حقيقة، وإنّما يفنيه عنواناً استطراقاً الى تكذيب الجزاء، والتكذيب التوأم مع الفراغ عن وجود الشرط خارجاً يستحيل اجتماعه مع صدق القضية الشرطيّة.

وأمّا ما ذكر في الحكومة على عقد الحمل: من أنّه يقدّم الحاكم على دليل المحكوم؛ لأنّه يرفع موضوع أصالة الإطلاق في دليل المحكوم وهو الشكّ، فهذا ـ

624

أيضاً ـ ليس بياناً فنيّاً فإنّه:

أوّلاً: أنّ هذا يوجب حكومة الدليل الثاني، وهو دليل نفي الحرج مثلاً على دليل حجيّة الإطلاق، لا على الدليل الأوّل وهو دليل وجوب الوضوء مثلاً، ولو التزم بالحكومة بهذا المعنى فهو ثابت في كلّ مخصِّص، فإنّ كلّ مخصّص قد اُخذ عدمه في موضوع أصالة العموم في العامّ، فلو كان هذا ملاك الحكومة في هذا القسم لم يبق فرق بين هذه الحكومة وبين التخصيص.

وثانياً: أنّه يمكننا أن نعكس المطلب ـ بغض النظر عن مسألة الأظهريّة والقرينيّة ـ ونقول: إنّه كما اُخذ في موضوع أصالة الإطلاق الشكّ في المراد، كذلك اُخذ في موضوع أصالة الظهور في الدليل الحاكم الشكّ في المراد، فليكن كلّ منهما موجباً لإلغاء موضوع الآخر.

فلابدّ من استئناف بحث آخر في المسألة؛ لأجل توضيح ضابط الحكومة. وإجمال التحقيق في باب الحكومة هو:

أنّ الحكومة تارة تكون لدليل على دليل آخر بلحاظ المرحلة اللغويّة، واُخرى تكون بلحاظ المرحلة التشريعيّة، والنحو الأوّل مجرّد فرض غير واقع في واقع التشريع، والمتعارف هو النحو الثاني.

أمّا النحو الأوّل: فتوضيحه: أنّه قد يكون للمتكلّم نظر في تشخيص مصاديق الموضوع الذي يحكم عليه بحكم، ولا أقصد بذلك النظر الأخباري كأن يخبر اشتباهاً مثلاً بأنّ زيداً خارج عن موضوع الحكم الذي هو العالم مثلاً، فإنّ هذا النظر لا أثر له في المقام، وإنّما أقصد بذلك النظر الإنشائي سنخ الادّعاء السكّاكي، فإنّ المتكلّم إذا كان له نظر إنشائي في كلامه في تشخيص موضوعه سعةً أو ضيقاً فهذا النظر لابدّ من اتّباعه، فإنّه في الحقيقة يتدخّل في المدلول الاستعمالي للكلام، وهذا النظر الإنشائي يفهم بقرينة تدلّ عليه: وهي إمّا قرينة عامّة: وذلك كما في الارتكازات العرفيّة العامّة التي تكشف عن أنظار إنشائيّة عرفيّة عامّة، فتكون تلك قرينة على النظر الإنشائي لهذا المتكلّم؛ لأنّه فرد من العرف وابن العرف، فمن باب أصالة عرفيّته واتّباعه للعرف في الارتكازات وباب الألفاظ والمعاني يُحمل كلامه على هذا النظر الإنشائي. وإمّا قرينة خاصّة: وهي عبارة عن تصريحه بهذا النظر الإنشائي، بأن يقول مثلاً: «لا ربا بين الوالد وولده» بناءً على حمله على بيان نظره الإنشائي في باب الربا، وهذه القرينة الخاصّة هي الحاكم، وفي الحقيقة لا معارضة ولا منافاة بينه وبين