100

رسول الله في الخبر الذي روي أنّه نزل جبرئيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقال: يا محمّد، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يُقرئك السلام ويقول لك: سل أبابكر هل هو عنّي راض، فإنّي عنه راض؟

فقال أبو جعفر(عليه السلام): لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: قد كثرت عليّ الكذّابة وستكثر، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسنّتي، فما وافق كتاب الله وسنّتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به، وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾(1)، فالله ـ عزّوجلّ ـ خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتّى سأل من مكنون سرّه؟! هذا مستحيل في العقول.

ثمّ قال يحيى بن أكثم: وقد روي أنّ مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء.

فقال(عليه السلام): وهذا أيضاً يجب أن ينظر فيه; لأنّ جبرئيل وميكائيل ملكان مقرّبان لم يعصيا الله قطّ، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله ـ عزّ وجلّ ـ وإن أسلما بعد الشرك، وكان أكثر أيّامهما في


(1) سورة 50 ق، الآية: 16.

101

الشرك بالله، فمحال أن يشبّههما بهما.

قال يحيى: وقد روي أيضاً أنّهما سيّدا كهول أهل الجنّة، فما تقول فيه؟

فقال(عليه السلام): وهذا الخبر محال أيضاً; لأنّ أهل الجنّة كلّهم يكونون شباباً، ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو اُميّة لمضادّة الخبر الذي قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الحسن والحسين بأنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة.

فقال يحيى بن أكثم: وروي أنّ عمر بن الخطّاب سراج أهل الجنّة.

فقال(عليه السلام): وهذا أيضاً محال; لأنّ في الجنّة ملائكة الله المقرّبين وآدم ومحمّد(صلى الله عليه وآله) وجميع الأنبياء والمرسلين، لا تضيئ بأنوارهم حتّى تُضيئ بنور عمر؟!

فقال يحيى: وقد روي أنّ السكينة تنطق على لسان عمر. فقال(عليه السلام): لست بمنكر فضائل عمر ولكن أبابكر أفضل من عمر، فقال على رأس المنبر: إنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا ملتُ فسدّدوني.

فقال يحيى: قد روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: لو لم اُبعث لبعث عمر.

فقال(عليه السلام): كتاب الله أصدق من هذا الحديث، يقول الله في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوح...﴾(1)، فقد أخذ الله


(1) سورة 33 الأحزاب، الآية: 7.

102

ميثاق النبيّين، فكيف يمكن أن يبدّل ميثاقه؟! وكان الأنبياء(عليه السلام) لميشركوا طرفة عين، فكيف يبعث بالنبوّة من أشرك وكان أكثر أيّامه مع الشرك بالله، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): نُبّئت وآدم بين الروح والجسد.

فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: ما احتبس الوحي عنّي قطّ إلّا ظننته قد نزل على آل الخطّاب.

فقال(عليه السلام): وهذا محال أيضاً; لأنّه لا يجوز أن يشكّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) في نبوّته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَـلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس...﴾(1)، فكيف يمكن أن تنتقل النبوّة ممّن اصطفاه الله تعالى إلى من أشرك به؟!

قال يحيى بن أكثم: روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: لو نزل العذاب لما نجى منه إلّا عمر.

فقال(عليه السلام): وهذا محال أيضاً، إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾(2)، فأخبر سبحانه أن لا يعذّب أحداً مادام فيهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وماداموا يستغفرون الله تعالى».

وأخيراً أختم الحديث هنا ـ قبل انتقالنا إلى كلمة لاُستاذنا الشهيد


(1) سورة 22 الحجّ، الآية: 75.

(2) سورة 8 الأنفال، الآية: 33.

103

عن الإمام الجواد (صلوات الله وسلامه عليه) ـ بالإشارة إلى اختلاف الروايات في كيفيّة وفاته(1)، وأنا أقتصر هنا على ذكر رواية واحدة نقلها المجلسي في البحار(2) عن كتاب (عيون المعجزات)، ونصّ الحديث ما يلي: «ثمّ إنّ المعتصم جعل يعمل الحيلة في قتل أبي جعفر(عليه السلام)، وأشار على ابنة المأمون زوجته بأن تسمّه; لأنّه وقف على انحرافها عن أبي جعفر(عليه السلام) وشدّة غيرتها عليه; لتفضيله اُمّ أبي الحسن ابنه عليها; ولأنّه لم يرزق منها ولد، فأجابته إلى ذلك وجعلت سمَّـاً في عنب رازقيّ، ووضعته بين يديه، فلمّا أكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال: ما بكاؤك؟ والله ليضربنّك الله بعقر لا ينجبر، وبلاء لا ينستر، فماتت بعلّة في أغمض المواضع من جوارحها صارت ناصوراً...».

بقي علينا التعرّض لحديث اُستاذنا الشهيد الصدر(رحمه الله) عن الإمام الجواد(عليه السلام):

ورد في كتاب (أئمّة أهل البيت)(3) ـ الذي هو تجميع لمحاضرات اُستاذنا الشهيد في الأئمّة(عليهم السلام) ـ بحثٌ عُنوِن بعنوان الإمامة المبكّرة،


(1) راجع روايات وفاته(عليه السلام) في البحار50: 11 وما بعدها.

(2) بحار الأنوار 50: 17.

(3) ص 399 ـ 406.

104

وحاصله ما يلي:

قدّر الله تعالى أن يكون نفسُ وجود الإمام الجواد(عليه السلام) على خطّ حياة أهل البيت(عليه السلام) دليلاً وبرهاناً على صحّة العقيدة التي نؤمن بها نحن بالنسبة إلى أئمّة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام; لأنّ الظاهرة التي وجدت مع هذا الإمام ـ وهي ظاهرة تولّي الشخص للإمامة وهو بعدُ في سنّ الطفولة ـ تعني: تولّي زعامة الطائفة الشيعيّة روحيّاً ودينيّاً وعمليّاً وفكريّاً من قبل طفل من الأطفال.

وهذه الظاهرة التي ظهرت لأوّل مرّة في حياة الأئمّة في الإمام الجواد(عليه السلام) لو درسناها بحساب الاحتمالات لوجدنا أنّها وحدها كافية للاقتناع بحقّانيّة هذا الخطّ الذي كان يمثّله الإمام الجواد(عليه السلام); إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الإمامة الواقعيّة في شخص من هذا النمط؟!

فالفرضيّات التي يمكن أن تفترض غير حقّانيّة الإمامة وأنّها من قبل الله تعالى لا تخلو عن عدد من الفروض، وكلّها باطلة:

الأوّل: أن يفترض أنّ الطائفة لم يتكشّف لديها بوضوح هذا الصبيّ.

وهذا باطل; لأنّ زعامة الإمام في أهل البيت(عليهم السلام) لم تكن زعامة محوّطة بالشرطة والجيش واُبّهة المُلك والسلطان الذي يحجب بين الزعيم ورعيّته، ولم تكن زعامة دعوة سرّيّة من قبيل الدعوات

105

الصوفيّة أو الفاطميّة التي تحجب بين رأس الدعوة وبين قواعد هذه الدعوة، لكي يفترض أنّ هذا الرأس كان محجوباً عن رعيّته مع إيمان الرعيّة به، وإمام أهل البيت(عليه السلام) كان مكشوفاً أمام الطائفة، وكانت الطائفة بكلّ طبقاتها تتفاعل معه مباشرة في مسائلها الدينيّة وفي قضاياها الروحيّة والأخلاقيّة، والإمام الجواد(عليه السلام)نفسه أصرّ على المأمون حينما استقدمه إلى بغداد في أن يسمح له بالرجوع إلى المدينة، وسمح له بذلك، «وقضى بقيّة عمره قبل إشخاصه في أواخر حياته إلى الخليفة في المدينة»(1).

إذن، فقد قضى الإمام الجواد(عليه السلام) أكثر عمره أو كلّ عمره وهو على المسرح، وهو مكشوف أمام المسلمين بمختلف طبقاتهم بما فيهم الشيعة، خصوصاً أنّ الإمام الجواد(عليه السلام) قد سلّطت عليه أضواء خاصّة من قبل الخليفة المأمون.

والثاني: أن يفترض أنّ المستوى العلميّ والفكريّ للطائفة وقتئذ كان يَعْبُر عليه هذا الموضوع، فكان بالإمكان أن تصدّق هذه الطائفة بإمامة طفل، وهو ليس بإمام.

وهذا أيضاً يكذّبه الواقع التأريخيّ لهذه الطائفة وما وصلت إليه من


(1) هذا المقطع خرّجه محقّق الكتاب من المستجاد من الإرشاد: 458 ـ 459، وتاج المواليد للطبرسي: 129 من المجموعة النفيسة.

106

مستوى علميّ وفقهيّ، فإنّ هذه الطائفة قد خلّفها الإمام الباقر والإمام الصادق(عليهما السلام)، وفيها أكبر مدرسة للفكر الإسلاميّ في العالم الإسلاميّ على الإطلاق، المدرسة التي تكوّنت من الجيلين المتعاقبين: جيل تلامذة الإمام الصادق والكاظم(عليهما السلام)، وجيل تلامذة تلامذة الإمام الصادق والكاظم، وهذان الجيلان كانا على رأس هذه الطائفة في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق وكلّ جوانب المعرفة الإسلاميّة.

إذن، فلا يمكن أن نفترض أنّ المستوى الفكريّ والعلميّ لهذه الطائفة كان يَعْبرُ عليه مثل هذا.

ولئن أمكن لشخص أن يتصوّر أنّ رجلاً عالماً كبيراً محيطاً مطّلعاً بلغ الخمسين أو الستّين يستطيع أن يُقنع مجموعة من الناس بإمامته بسبب اتّصافه بدرجة كبيرة من العلم والمعرفة والذكاء والاطّلاع وهو ليس بإمام، فليس بالإمكان أن نفترض ذلك في شخص لم يبلغ العاشرة من عمره، وكيف يعمّي الطفل كذبه في دعوى الإمامة على مدرسة فكريّة من أضخم المدارس الفكريّة التي وجدت في العالم الإسلاميّ يومئذ، مدرسة كان يوجد بعض قطّاعاتها في الكوفة، وبعضها في قم، وبعضها في المدينة، وكانت موزّعة في حواضر العالم الإسلاميّ والتي كانت كلّها على صلة مباشرة بالإمام الجواد(عليه السلام)، تستفتيه وتسأله وتنقل إليه الأموال من مختلف الأطراف من

107

شيعته(1)، فمثل هذه المدرسة لا يمكن أن نتصوّر فيها أن تغفل عن حقيقة طفل لا يكون إماماً.

والثالث: أن يفترض أنّ الطائفة لم يكن عندها مفهوم الإمام والإمامة واضحاً بالمعنى الذي نقوله، وكانت تتصوّر أنّ الإمامة مجرّد تسلسل نسبيّ ووراثيّ، ولم تكن تعرف ما هو الإمام، وما هي قيمته، وما هي شروطه.

وهذا الإفتراض أيضاً يكذّبه واقع التراث المتواتر المستفيض من أميرالمؤمنين إلى الإمام الرضا(عليهما السلام) عن شروط الإمام، ومحصول الإمام، وعلامات الإمام.

فالتشيّع قام أساساً على المفهوم الإلهيّ المعمّق للإمامة، وهذا هو أوضح وأبده وأوّل مفهوم من مفاهيم التشيّع، وهو: أنّ الإمام إنسان فذّ فريد في معارفه وأخلاقه وقوله وعمله، وقد بشّرت بهذا المفهوم آلاف النصوص من عهد أميرالمؤمنين(عليه السلام)إلى عهد الرضا(عليه السلام)، وكلّ الخصوصيّات وكلّ التفاصيل أصبحت بالتدريج واضحة في ارتكاز الطائفة وذهنيّتها حتّى بعض التفاصيل الثانويّة.

يقول الراوي في مناسبة قصّة الإمام الجواد(عليه السلام): دخلت المدينة بعد


(1) اُنظر بحار الأنوار 50، ب 3 و4 و5 من حياة الإمام الجواد(عليه السلام)، الصفحة: 37 وما بعدها.

108

وفاة الرضا(عليه السلام) أسأل عن الخليفة بعد الإمام الرضا(عليه السلام)، فقيل: إنّ الخليفة في قرية قريبة من المدينة، فخرجت إلى تلك القرية ودخلت داخل القرية ـ وكان فيها بيت للإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) انتقل بالوراثة إلى أولاده وأحفاده ـ فرأيت البيت غاصّاً بالناس، ورأيت أحد إخوة الإمام الرضا(عليه السلام) كان جالساً يتصدّر المجلس إلّا أنّ الناس يقولون فيما بينهم: إنّ هذا ليس هو الإمام بعد الإمام الرضا; لأنّنا سمعنا من الأئمّة(عليهم السلام) أنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين(1)، فكلّ التفاصيل وكلّ الخصوصيّات النسبيّة والمعنويّة كانت واضحة ومحدّدة عندهم.

والرابع: أن يفترض أن يكون هذا تبانياً على الزور والباطل من قبل هذه الطائفة.

وهذا أيضاً ممّا لا يكذّبه إيماننا الشخصيّ فحسب بورع هذه الطائفة وقدسيّتها، بل يكذّبه ـ إضافةً إلى ذلك ـ الظرف الموضوعيّ لهذه الطائفة، إذ لم يكن التشيّع في يوم من الأيّام في حياة هذه الطائفة طريقاً إلى الأمجاد والمال والجاه والسلطان والمقامات العالية.

إنّ التشيّع طيلة هذه المدّة كان طريقاً إلى التعذيب، وإلى السجون والحرمان، وإلى الويل والدمار، وكان طريقاً إلى أن يعيش الإنسان


(1) اُنظر بحار الأنوار 25، كتاب الإمامة، ب 8: ص 250 ـ 252.

109

حياة الخوف والذلّ والتقيّة في كلّ حركاته وسكناته، فلا معنى للتباني من قبل هذه الطائفة على إمامة كاذبة في سبيل مطمع من المطامع.

ولو أنّ هؤلاء الوجهاء والعلماء والأعلام تركوا هذه الطريقة واتّبعوا الطريق الرسميّ المكشوف وقتئذ والمتّبع من قبل سائر المسلمين لكانوا في طليعة سائر المسلمين.

فالظروف الموضوعيّة بنفسها تشهد على أنّ هذا التباني لا يمكن أن يكون ناشئاً إلّا عن اعتقاد حقّ بهذه الإمامة.

فلم تبق فرضيّة معقولة إلّا الفرض الوحيد المطابق للواقع، وهو: أن يكون الإمام الجواد(عليه السلام)إماماً حقّاً.

 

110

 

 

لمحة عن الإمام عليّ بن محمّد الهادي(عليه السلام)

 

يا أيّهذا الرائحُ الغادي
عرّجْ على سيّدِنا الهادي
واخلعْ إذا شارفتَ ذاك الثرى
فعل كليم الله في الوادي
وقبّلِ الأرضَ وسُف(۱) تربةً
فيها العلى والشرفُ العادي(۲)
وقلْ سلامُ اللهِ وقفٌ على
مستخرَج من صلبِ أجوادِ

* * *

يا آلَ طه أنتمُ عُدَّتي
ووصفكم بين الورى عادي(۳)
وشكركم دأبي وذكري لكم
همّي وتسبيحي وأورادي

* * *


(1) من ساف بمعنى اشتمّ.
(2) أي: القديم.
(3) أي: قديم.
111

ولي أمانٌ فيكمُ جمّةٌ(۱)
تقضي بإقبالي وإسعادي
وواجبٌ في شرعِ إحسانكم
إنالتي الخيرَ وإمدادي
لا زال قلبي لكمُ مسكناً
في حالتي قُرب وإبعادي(۲)
يُروى أنّ الإمام عليّ بن محمّد الهادي(عليه السلام) كان في سني إمامته بقيّة ملك المعتصم ثمّ الواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين والمعتزّ، وفي آخر مُلك المعتمد استشهد مسموماً، وقال ابن بابويه: «وسمّه المعتمد»(3).

وقال عادل الأديب (حفظه الله) في كتابه (الأئمّة الاثنا عشر)(4): عاش الإمام الهادي(عليه السلام) بعد استشهاد أبيه ظروفاً صعبة وقاسية، وقد عاصر حكم المتوكّل الذي عرف بحقده على الإمام(عليه السلام)وملاحقته لأصحابه وقواعده التي كانت تتّسع يوماً بعد يوم، هذا التوسّع الذي


(1) الجمّة: الكثرة.
(2) كشف الغمّة 3:195 ـ 196.
(3) بحار الأنوار 50:114 نقلاً عن مناقب آل أبي طالب.
(4) ص 226.
112

انعكس على واقع الجهاز الحاكم حتّى شعر المتوكّل بخطورة الموقف وحرجه، فحاول تفادي المضاعفات بطريقتين متلازمتين في آن واحد معاً:

1 ـ شنّ حملة مطاردة واضطهاد لقواعد الإمام(عليه السلام) وأصحابه وتدمير كلّ أثر شيعيّ لهم، زيادةً في إرهابهم، وإمعاناً في إذلالهم «حتّى أنّه كرب قبر الحسين وعفى آثاره»(1).

2 ـ عزل الإمام(عليه السلام) عن قواعده، تمهيداً لشرذمتها، وتمييع قضيّتها، وتأييسها من الانتصار.

أقول: وإنّني أقتصر هنا على ذكر عدد من الروايات من البحار ممّا توضّح هيبة الإمام عليّ الهادي(عليه السلام) وعظمته الاجتماعيّة:

1 ـ روى في البحار(2) عن مروج الذهب للمسعودي، عن يحيى بن هرثمة قال: «وجّهني المتوكّل إلى المدينة لإشخاص عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى(عليه السلام) لشيء بلغه عنه، فلمّا صرت إليها ضجّ أهلها، وعجّوا ضجيجاً وعجيجاً ما سمعت مثله، فجعلت اُسكّنهم وأحلف أنّي لم اُؤمَر فيه بمكروه، وفتّشت منزله فلم اُصب فيه إلّا مصاحف ودعاء وما أشبه ذلك، فأشخصته وتولّيت خدمته وأحسنت عشرته...».

 


(1) اُنظر مقاتل الطالبيّين: 395.

(2) بحار الأنوار 50:207.

113

فانظُر إلى قوّته(عليه السلام) الاجتماعيّة التي أوجبت هذا الضجيج والعجيج في المدينة والتي أجبرت يحيى بن هرثمة على ذاك التسكين والحلف.

ولا تنافي بين ما ورد في هذا الحديث من تفتيش منزله(عليه السلام) وما سننقله الآن ـ إن شاء الله ـ من الرواية الثانية التي تقول: إنّ إشخاصه(عليه السلام)إلى سامرّاء كان بطلب من نفس الإمام(عليه السلام) من المتوكّل أو ـ على الأقلّ ـ بتفاهم بينهما.

2 ـ ورد في البحار(1) نقلاً عن كتاب الإرشاد ما يلي:

«كان سبب شخوص أبي الحسن(عليه السلام) من المدينة إلى سرّ من رأى أنّ عبدالله بن محمّد كان يتولّى الحرب والصلاة في مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله)، فسعى بأبي الحسن إلى المتوكّل وكان يقصده بالأذى، وبلغ أبا الحسن(عليه السلام)سعايته به، فكتب إلى المتوكّل يذكر تحامل عبد الله بن محمّد عليه وكذبه فيما يسعى به، فتقدّم المتوكّل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر(2) على جميل من الفعل والقول، فخرجت نسخة الكتاب، وهي:

بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد: فإنّ أميرالمؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقّك، مؤثر من الاُمور فيك وفي أهل بيتك ما


(1) بحار الأنوار 50:200 ـ 203.

(2) يعني: سرّ من رأى.

114

يصلح الله به حالك وحالهم، ويثبّت به عزّك وعزّهم، ويدخل الأمن عليك وعليهم، يبتغي بذلك رضا ربّه وأداء ما فرض عليه فيك وفيهم، فقد رأى أميرالمؤمنين صرف عبدالله بن محمّد عمّا كان يتولّى من الحرب والصلاة بمدينة الرسول إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك، واستخفافه بقدرك، وعند ما قرفك(1) به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أميرالمؤمنين براءتك منه، وصدق نيّتك في برّك وقولك، وأنّك لم تؤهّل نفسك لما قُرِفت(2) بطلبه.

وقد ولّى أميرالمؤمنين ما كان يلي من ذلك محمّد بن الفضل، وأمره بإكرامك وتبجيلك، والانتهاء إلى أمرك ورأيك، والتقرّب إلى الله وإلى أميرالمؤمنين بذلك، وأميرالمؤمنين مشتاق إليك يحبّ إحداث العهد بك والنظر إلى وجهك.

فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة، ترحل إذا شئت، وتنزل إذا شئت، وتسير كيف شئت، فإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أميرالمؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحيلك ويسيرون بمسيرك فالأمر في ذلك إليك، وقد تقدّمنا إليه بطاعتك.

 


(1) أي: اتّهمك.

(2) أي: اتّهمتَ.

115

فاستخر الله(1) حتّى توافي أميرالمؤمنين، فما أحد من إخوته ووُلده وأهل بيته وخاصّته ألطف منه منزلة، ولا أحمد له إثرة(2)، ولا هو لهم أنظر، وعليهم أشفق، وبهم أبرّ، وإليهم أسكن منه إليك».

أقول: إنّ هذا الاُسلوب من الكلام يبدو أنّه هو نفس ما مضى من سياسة مأمون في تبجيله للرضا والجواد(عليهما السلام)، وهذا يؤيّد ما يقوله اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّ الإمام الهادي هو ثالث أئمّة الدور الثالث.

ومع ذلك حاول المتوكّل إهانة الإمام(عليه السلام) ليوم واحد قبل لقائه به، وذلك بجعله في خان الصعاليك بحسب ما يبدو من تتمّة الرواية، وهي ما يلي:

«فلمّا وصل الكتاب إلى أبي الحسن(عليه السلام) تجهّز للرحيل وخرج معه يحيى بن هرثمة حتّى وصل سرّ من رأى، فلمّا وصل إليها تقدّم المتوكّل بأن يحجب عنه في يومه، فنزل في خان يقال له خان الصعاليك، وأقام به يومه، ثمّ تقدَّم المتوكّل بإفراد دار له فانتقل إليها».

وروي عن صالح بن سعيد قال: «دخلت على أبي الحسن(عليه السلام) يوم وروده، فقلت له: جعلت فداك في كلّ الاُمور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتّى أنزلوك هذا المكان الأشنع خان الصعاليك.

 


(1) أي: اطلُب الخير من الله.

(2) أي: إكراماً.

116

فقال: هاهنا أنت يا ابن سعيد! ثمّ أومأ بيده فإذا أنا بروضات أنيقات، وأنهار جاريات، وجنّات فيها خيرات عطرات وولدان كأنّهنّ اللؤلؤ المكنون، فحار بصري وكثر عجبي. فقال(عليه السلام): حيث كنّا فهذا لنا، يا ابن سعيد لسنا في خان الصعاليك.

وأقام أبو الحسن(عليه السلام) مدّة مقامه بسرّ من رأى مكرّماً في ظاهر حاله، يجتهد المتوكّل في إيقاع حيلة به، فلا يتمكّن من ذلك...».

3 ـ روى في البحار(1) عن الخرائج عن أبي هاشم الجعفري: «قال: ظهرت في أيّام المتوكّل امرأة تدّعي أنّها زينب بنت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال المتوكّل: أنت امرأة شابّة وقد مضى من وقت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما مضى من السنين. فقالت: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) مسح عليّ وسأل الله أن يردّ عليّ شبابي في كلّ أربعين سنة، ولم أظهر للناس إلى هذه الغاية، فلحقتني الحاجة فصرت إليهم.

فدعا المتوكّل مشايخ آل أبي طالب وولد العبّاس وقريش وعرّفهم حالها، فروى جماعة وفاة زينب في سنة كذا. فقال لها: ما تقولين في هذه الرواية؟

فقالت: كذبٌ وزور، فإنّ أمري كان مستوراً عن الناس، فلم يعرف لي حياة ولا موت.

 


(1) بحار الأنوار 50:149 ـ 150.

117

فقال لهم المتوكّل: هل عندكم حجّة على هذه المرأة غير هذه الرواية؟ فقالوا: لا. فقال:(1) هو بريء من العبّاس إن لا أنزلها عمّا ادّعت إلّا بحجّة.

قالوا: فأحضِر ابن الرضا(2) فلعلّ عنده شيئاً من الحجّة غير ما عندنا، فبعث إليه فحضر، فأخبره بخبر المرأة. فقال(عليه السلام): كذبت، فإنّ زينب توفّيت في سنة كذا، في شهر كذا، في يوم كذا.

قال: فإنّ هؤلاء قد رووا مثل هذه وقد حلفتُ أن لا اُنزلها إلّا بحجّة تلزمها.

قال(عليه السلام): ولا عليك فهاهنا حجّة تلزمها وتلزم غيرها قال: وما هي؟ قال: لحوم بني فاطمة محرّمة على السباع(3)، فأنزِلها إلى السباع، فإن كانت من ولد فاطمة فلا تضرّها.

فقال لها: ما تقولين؟ قالت: إنّه يريد قتلي. قال: فهاهنا جماعة من ولد الحسن والحسين(عليهما السلام)فأنزل من شئت منهم. قال: فوالله لقد تغيّرت وجوه الجميع. فقال بعض المبغضين: هو يحيل على غيره لِمَ لا يكون هو؟

 


(1) أي: المتوكّل.

(2) أي: الهادي(عليه السلام).

(3) يُحمل ذلك على أولادها المباشرين وعلى المعصومين(عليهم السلام) وعلى من يريد المعصوم بشأنه ذلك.

118

فمال المتوكّل إلى ذلك رجاء أن يذهب من غير أن يكون له في أمره صنع، فقال: يا أبا الحسن، لِمَ لا تكون أنت ذلك؟ قال: ذاك إليك. قال: فافعل. قال: أفعل. فاُتي بسلّم وفتح عن السباع وكانت ستّة من الاُسد، فنزل أبو الحسن إليها، فلمّا دخل وجلس صارت الاُسود إليه، فرمت بأنفسها بين يديه ومدّت بأيديها ووضعت رؤوسها بين يديه، فجعل يمسح على رأس كلّ واحد منها، ثمّ يشير إليه بيده إلى الاعتزال، فتعتزل ناحية حتّى اعتزلت كلّها وأقامت بإزائه.

فقال له الوزير: ما هذا صواباً. فبادر بإخراجه من هناك قبل أن ينتشر خبره، فقال له: يا أبا الحسن، ما أردنا بك سوءاً وإنّما أردنا أن نكون على يقين ممّا قلت، فاُحبّ أن تصعد، فقام وصار إلى السلّم وهي حوله تتمسّح بثيابه.

فلمّا وضع رجله على أوّل درجة التفت إليها وأشار بيده أن ترجع، فرجعت وصعد.

فقال(عليه السلام): كلّ من زعم أنّه من ولد فاطمة فليجلس في ذلك المجلس.

فقال لها المتوكّل: انزلي. قالت: الله الله ادّعيت الباطل، وأنا بنت فلان، حملني الضرّ على ما قلت. قال المتوكّل: ألقوها إلى السباع، فاستوهبتها والدته(1)».

 


(1) أي: والدة المتوكّل.

119

4 ـ روى في البحار(1) عن المسعودي في مروج الذهب ما يلي:

«سُعي إلى المتوكّل بعليّ بن محمّد الجواد(عليه السلام) أنّ في منزله كُتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم، وأنّه عازم على الوثوب بالدولة. فبعث إليه جماعةً من الأتراك فهجموا داره ليلاً، فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوه في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى، وهو متوجّه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن.

فحُمل على حاله تلك إلى المتوكّل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكّل جالساً في مجلس الشرب، فدخل عليه والكأس في يد المتوكّل.

فلمّا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده، فقال: والله ما يخامر لحمي ودمي قطّ فاعفني، فأعفاه، فقال: أنشدني شعراً. فقال(عليه السلام): إنّي قليل الرواية للشعر. فقال: لابدّ، فأنشده(عليه السلام) وهو جالس عنده:

باتوا على قللِ الأجبالِ تحرسُهم
غلبُ الرجالِ فلم تنفعهُم القللُ
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم
واُسكنوا حفراً يا بئسَ ما نزلوا
 


(1) بحار الأنوار 50: 211 ـ 212.
120

ناداهمُ صارخٌ من بعدِ دفنهمُ
أينَ الأساورُ والتيجانُ والحللُ
أينَ الوجوهُ التي كانت منعّمةً
من دونها تضربُ الأستارُ والكللُ
فأفصَح القبرُ عنهم حين ساءلهم
تلك الوجوهُ عليها الدودُ تقتتلُ
قد طال ما أكلوا دهراً وقد شربوا
وأصبحوا اليومَ بعدَ الأكلِ قد اُكِلوا
قال: فبكى المتوكّل حتّى بلّت لحيته دموع عينيه، وبكى الحاضرون، ودفع إلى عليّ(عليه السلام) أربعة آلاف دينار، ثمّ ردّه إلى منزله مكرَّماً».

5 ـ روى في البحار(1) عن المناقب، عن سلمة الكاتب قال: «قال خطيب يلقّب بالهريسة للمتوكّل: ما يعمل أحد بك ما تعمله بنفسك في عليّ بن محمّد، فلا في الدار إلّا من يخدمه، ولا يتعبونه بشيل الستر لنفسه. فأمر المتوكّل بذلك. فرفع صاحب الخبر أنّ عليّ بن محمّد دخل الدار فلم يُخدم ولم يشل أحد بين يديه الستر، فهبّ هواء فرفع الستر حتّى دخل وخرج، فقال: شيلوا له الستر بعد ذلك فلا نريد أن يشيل له الهواء».

قال المجلسي(رحمه الله): «وفي تخريج أبي سعيد العامري رواية عن صالح


(1) بحار الأنوار 50: 203 ـ 204.
121

بن الحكم بيّاع السابريّ قال: كنت واقفيّاً، فلمّا أخبرني حاجبالمتوكّل بذلك أقبلت أستهزئ به إذ خرج أبوالحسن فتبسّم في وجهي من غير معرفة بيني وبينه، وقال: يا صالح، إنّ الله تعالى قال في سليمان: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾(1)، ونبيّك وأوصياء نبيّك أكرم على الله تعالى من سليمان. قال: وكأنّما انسلّ من قلبي الضلالة، فتركت الوقف».

6 ـ روى في البحار(2) عن المناقب، عن أبي محمّد الفحّام قال: سأل المتوكّل ابنَ الجهم: مَن أشعر الناس؟ فذكر شعراء الجاهليّة والإسلام، ثمّ إنّه سأل أبا الحسن(عليه السلام)فقال: الحِمّاني(3) حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابةٌ
بمطّ(٤) خدود وامتدادِ أصابعِ
فلمّا تنازعنا المقالَ قضى لنا
عليهم بما يهوى نداءُ الصوامعِ


(1) سورة 38 ص، الآية: 36.
(2) بحار الأنوار 50: 190 ـ 191.
(3) في الصفحة: 129 من البحار، ج 50: «قال: فلان بن فلان العلويّ. قال ابن الفحّام: وأخوه الحمّاني». وهذه النسخة أصحّ; لأنّ الحِمّاني تميميّ لا علويّ.
(4) المطّ: المدّ. ومطّ خدّه: أي: تكبر.
122

ترانا سكوتاً والشهيدُ بفضلِنا
عليهم جهير الصوتِ في كلّ جامعِ
فإنّ رسولَ اللهِ أحمدَ جدُّنا
ونحنُ بنوه كالنجومِ الطوالعِ
قال: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله جدّي أم جدّك؟! فضحك المتوكّل، ثمّ قال: هو جدّك لا ندفعك عنه.

7 ـ وممّا يشهد لتوجّس المتوكّل خيفة من عظمة أبي الحسن الهادي(عليه السلام) تكرّر كبسه لدار الإمام(عليه السلام) وهو(عليه السلام) يظهر بمظهر اللا مبالاة والهدوء التامّ والشخص الواثق من براءته، وكان يعين الشرطة المتجسّسين على مهمّتهم فيسرج لهم الضياء ويدلّهم على غرف الدار توخّياً في الإيحاء للدولة بأنّه لا يملك أيّ نشاط غريب، فقد روي في البحار(1) عن إعلام الورى وعن الإرشاد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن عليّ بن محمّد، عن إبراهيم بن محمّد الطاهري: «قال: مرض المتوكّل من خُراج(2) خرج به، فأشرف منه على التلف، فلم يجسر أحد أن يمسّه بحديدة، فنذرت اُمّه إن عوفي أن يحمل إلى


(1) بحار الأنوار 50: 198 ـ 200.
(2) الخراج كغراب: القروح والدماميل العظيمة.
123

أبي الحسن عليّ بن محمّد(عليه السلام)مالاً جليلاً من مالها.

وقال له الفتح بن خاقان: لو بعثت إلى هذا الرجل ـ يعني أبا الحسن ـ فسألته فإنّه ربّما يكون عنده صفة شيء يفرّج الله به عنك. قال: ابعثوا إليه. فمضى الرسول ورجع فقال: خذوا كُسب(1) الغنم فديّفوه بماء ورد وضعوه على الخُراج، فإنّه نافع بإذن الله.

فجعل من بحضرة المتوكّل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضرّ من تجربة ما قال، فوالله إنّي لأرجو الصلاح به. فاُحضر الكُسب ودُيّف بماء الورد ووُضع على الخُراج فانفتح وخرج ما كان فيه، وبُشّرت اُمّ المتوكّل بعافيته، فحملت إلى أبي الحسن(عليه السلام) عشرة آلاف دينار تحت ختمها، فاستقلّ(2) المتوكّل من علّته.

فلمّا كان بعد أيّام سعى البطحائي بأبي الحسن(عليه السلام) إلى المتوكّل فقال: عنده سلاح وأموال. فتقدّم المتوكّل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلاً عليه، ويأخذ ما يجد عنده من الأموال والسلاح، ويحمل إليه.

فقال إبراهيم بن محمّد: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن(عليه السلام) بالليل ومعي سلّم، فصعدت منه إلى السطح، ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار، فناداني


(1) الكُسب ثفل الدهن.

(2) أي: ارتفع.

124

أبو الحسن(عليه السلام) من الدار: يا سعيد، مكانك حتّى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت، فوجدت عليه جبّة من صوف وقلنسوة منها وسجّادته على حصير بين يديه هو مُقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت.

فدخلتها وفتّشتها فلم أجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم اُمّ المتوكّل وكيساً مختوماً معها، فقال أبو الحسن(عليه السلام): دونك المصلّى، فرفعت فوجدت سيفاً في جفن غير ملبوس فأخذت ذلك وصرت إليه.

فلمّا نظر إلى خاتم اُمّه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه، فسألها عن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصّة أنّها قالت له: كنت نذرت في علّتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار، فحملتها إليه، وهذا خاتمك على الكيس ما حرّكها.

وفتح الكيس الآخر وكان فيه أربع مئة دينار، فأمر أن يضمّ إلى البدرة بدرة اُخرى وقال لي: احمل ذلك إلى أبي الحسن، واردد عليه السيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه واستحييت منه وقلت: يا سيّدي، عزّ عليّ بدخول دارك بغير إذنك، ولكنّي مأمور به. فقال لي: ﴿سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُون﴾(1)».

 


(1) سورة 26 الشعراء، الآية: 227.