146

وأمّا الموقف الثالث ـ وهو إشرافه على قواعده الشعبيّة وحماية وجودها وتنمية وعيها ومدّها بكلّ أساليب الصمود والارتفاع إلى مستوى الطليعة المؤمنة ـ: فإنّي اُشير إلى روايتين تشهدان لذلك:

الرواية الاُولى: روى في البحار(1) عن المناقب ومختار الخرائج قصّة إرشاده(عليه السلام)للمساجين ـ حينما اُدخل(عليه السلام) السجن ـ بالحذر من جاسوس موكَّل بهم من قبل السلطة وهم لا يعلمون.

والقصّة ما يلي: «قال أبو هاشم الجعفري: كنت في الحبس مع جماعة فحُبس أبو محمّد وأخوه جعفر(2)، فخفّفنا له(3) وقبّلتُ وجه الحسن وأجلسته على مضربّة(4) كانت عندي، وجلس جعفر قريباً منه فقال جعفر: (وا شيطناه) بأعلى صوته، يعني: جاريةً له، فضجره أبو محمّد(عليه السلام)وقال له: اسكت. وإنّهم رأوا فيه أثر السكر، وكان المتولّي حبسه صالح بن وصيف، وكان معنا في الحبس رجل جمحيّ(5) يدّعي أنّه علويّ، فالتفت أبو محمّد(عليه السلام) وقال: لولا أنّ فيكم من ليس منكم


(1) بحار الأنوار 50: 254.

(2) يعني: جعفر الكذّاب.

(3) أي: أسرعنا إلى خدمته. وفي بعض النسخ: «فحففنا به».

(4) المُضربّة: كساء ذو طاقين بينهما قطن.

(5) يحتمل كونه منسوباً إلى الجَمح تشبيهاً له بالفرس الجَموح، وبالفارسيّة: چموش.

147

لأعلمتكم متى يفرّج الله عنكم، وأومأ إلى الجمحيّ فخرج، فقالأبو محمّد: هذا الرجل ليس منكم فاحذروه، فإنّ في ثيابه قصّة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه، فقام بعضهم وفتّش ثيابه فوجد فيها القصّة يذكرنا فيها بكلّ عظيمة، ويعلمه أنّا نريد أن ننقب الحبس ونهرب».

والرواية الثانية: ما رواه في البحار(1) عن المناقب، عن أبي هاشم الجعفري، عن داود بن الأسود قال: «دعاني سيّدي أبو محمّد(عليه السلام)، فدفع إليّ خشبة كأنّها رجل باب مدوّرة(2) طويلة ملء الكفّ، فقال: صر بهذه الخشبة إلى العمري فمضيت، فلمّا صرت في بعض الطريق عرض لي سقّاء معه بغل فزاحمني البغل على الطريق، فناداني السقّاء ضحّ على البغل(3) فرفعت الخشبة التي كانت معي فضربت بها البغل فانشقّت(4)، فنظرتُ إلى كسرها فإذا فيها كَتْبٌ، فبادرتُ سريعاً فرددت الخشبة إلى كُمّي، فجعل السقّاء يناديني ويشتمني ويشتم صاحبي(5).

 


(1) بحار الأنوار 50: 283.

(2) بالفارسي «پاشنه در».

(3) أي: أرفِق به وخلِّ له السبيل.

(4) أي: انشقّت الخشبة.

(5) يعني: يشتم الإمام(عليه السلام).

148

فلمّا دنوت من الدار راجعاً استقبلني عيسى الخادم عند الباب الثاني فقال: يقول لك مولاي ـ أعزّه الله ـ: لِمَ ضربت البغل وكسرت رجل الباب؟! فقلت له: يا سيّدي، لم أعلم ما في رجل الباب. فقال: ولِمَ احتجت أن تعمل عملاً تحتاج أن تعتذر منه، إيّاك بعدها أن تعود إلى مثلها، وإذا سمعت لنا شاتماً فامض لسبيلك التي اُمرت بها، وإيّاك أن تُجاوب من يشتمنا(1) أو تعرّفه من أنت، فإنّا ببلد سوء ومصر سوء، وامضِ في طريقك، فإنّ أخبارك وأحوالك تردّ إلينا، فاعلم ذلك».

وأمّا الموقف الرابع ـ وهو موقفه(عليه السلام) من التمهيد للغيبة ـ: فلولا أنّه (سلام الله عليه) قد مهّد تمهيداً كبيراً لغيبة ولده وترويض الشيعة على ذلك لتفطّرت قلوب الشيعة بغيبته، ولولا تقسيم حالة الغيبة إلى الصغرى والكبرى لما كانت للشيعة قدرة تحمّل الغيبة الكبرى، وبرغم تواتر النصوص على غيبة الإمام المهدي ـ عجّل الله فرجه ـ من زمن آبائه(عليهم السلام) لم يكن ذلك كافياً لتهيّؤ الشيعة نفسيّاً لتحمّل ذلك، إلّا أنّه(عليه السلام)قد أحكم التمهيد لذلك بما يلي:

فأوّلاً: حجب الإمام المهديّ(عليه السلام) عن أعين الناس مع إظهاره لبعض خاصّته فحسب قليلاً.

 


(1) أي: إيّاك أن تشاتمه.

149

وثانياً: قد احتجب هو(عليه السلام) كثيراً عن الشيعة حتّى تعوّدوا ـ كما ما هو المعروف ـ على الاتّصال به عن طريق المكاتبات والمراسلات الكتبيّة كما هو الحال مع الإمام المهديّ (سلام الله عليه) في أيّام الغيبة الصغرى، بل ذكر الحاجّ عادل الأديب (حفظه الله)(1) نقلاً عن كتاب (إثبات الوصيّة): أنّه قد بدأ الإمام الهادي(عليه السلام) بشكل بسيط بهذا الاُسلوب عندما احتجب عن كثير من مواليه، وأخذ يراسلهم عن طريق الكتب والتوقيعات ليعوّد شيعته على هذا المسلك بشكل متدرّج بطيء.

ومن الطَريف أنّ الإمام العسكريّ(عليه السلام) كان بابه هو عثمان بن سعيد العمري(2)، أي: أوّل نائب من النوّاب الأربعة لولده المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ في أيّام الغيبة الصغرى، فهكذا تعمّد التشابه بين طريقته في التعامل مع الشيعة في زمانه وطريقة الإمام المهدي(عليه السلام) في التعامل معهم، كي لا يستوحشوا ويمشوا على نفس المنهج الذي أنسوا به.

وثالثاً: بدأ(عليه السلام) بتثقيف الشيعة بثقافة الغيبة، وأطرف ما رأيته بهذا


(1) في كتابه (الأئمّة الاثناعشر): 245.

(2) راجع بحار الأنوار 50: 238، آخر الصفحة، بل وكان أيضاً باباً لعليّ الهادي(عليه السلام). راجع البحار 51: 344.

150

الصدد ما كتبه(عليه السلام) إلى عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ(رحمه الله) من قوله:

«عليك بالصبر وانتظار الفرج، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: أفضل أعمال اُمّتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتّى يظهر ولدي الذي بشّر به النبيّ(صلى الله عليه وآله) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن عليّ، آمرُ جميع شيعتي بالصبر، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين. والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله على محمّد وآله»(1).

 

 


(1) راجع بحار الأنوار 50: 318.

151

 

لمحة عن الإمام الحجّة بن الحسن عجّل الله فرجه

 

تحيّةُ اللهِ ورضوانُه
على الإمام الحجّةِ القائمِ
على إمام حكمُه نافذٌ
إذا أراد الحكمَ في العالمِ
خليفةُ الله على خلقهِ
والآخذُ الحقّ من الظالمِ
العادلُ العالِم أكرمْ بهِ
من عادل في حكمهِ عالِم
مطهّرُ الأرضِ ومحيي الورى
العلويُّ الطاهرُ الفاطميّ
ناصرُ دينِ اللهِ كهفُ الورى
محيي الندى(1) خيرُ بني آدمِ
الصاحبُ الأعظمُ والماجدُ
الأكرمُ المولى أبوالقاسمِ
وصاحبُ الدولةِ يُحيى بها
ممتحن في الزمنِ الغاشمِ
والنافذ الحكمِ فَرَعْياً له(2)
وجادَه الوابل(3) من حاكمِ
مَن حاتَمٌ حتّى يوازى به
عبيدُه أكرمُ من حاتمِ
 


(1) الظاهر أنّ المقصود: الأرض المبتلّة.
(2) أي: حفظاً له.
(3) الوابل: المطر الشديد. والجود: المطر الغزير، أي: أكرِم به من حاكم نسأل الله أن يوفّر عليه النعم بالمطر الغزير.
152

لو أنّني شاهدتُه مقبِلاً
في جحفل ذي عِثيَر قاتمِ(۱)
لقلتُ من فرطِ سروري بهِ
أهلاً وسهلاً بك من قادمِ(۲)

ورد في البحار(3) عن (كمال الدين وتمام النعمة) بسند له عن حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام): «قالت: بعث إليّ أبو محمّد الحسن بن عليّ(عليهما السلام) فقال: يا عمّة، اجعلي إفطارك الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة وهو حجّته في أرضه. قالت: فقلت له: ومن اُمّه؟ قال لي: نرجس. قلت له: والله ـ جعلني الله فداك ـ ما بها أثر. فقال: هو ما أقول لك. قالت: فجئت فلمّا سلّمت وجلست جاءت تنزع خفّي وقالت لي: يا سيّدتي، كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنتِ سيّدتي وسيّدة أهلي. قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمّة؟ قالت: فقلت لها: يا بنيّة، إنّ الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيّداً في الدنيا والآخرة. قالت: فجلست واستحيت، فلمّا أن فرغتُ من صلاة العشاء الآخرة


(1) الجحفل: الجيش الكثير. والعِثيَر: الغبار. والقاتم يقصد به الغبار الغليظ. والأبيات للأربليّ صاحب كتاب كشف الغمّة(رحمه الله).
(2) كشف الغمّة 3: 358 ـ 359.
(3) بحار الأنوار 51: 2 ـ 4.
153

وأفطرتُ وأخذت مضجعي فرقدتُ، فلمّا أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثمّ جلستُ معقّبةً، ثمّ اضطجعتُ، ثمّ انتبهتُ فزِعةً وهي راقدة، ثمّ قامت فصلّت.

قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو محمّد(عليه السلام) من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمّة، فإنّ الأمر قد قرب. قالت: فقرأت الم السجدة و يس، فبينما أنا كذلك إذا انتهبت فزعةً، فوثبت إليها فقلت: اسم الله عليك، ثمّ قلت لها: تحسّين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمّة. فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك.

قالت حكيمة: ثمّ أخذتني فترة وأخذتها فطرة(1)، فانتبهت بحسّ سيّدي(عليه السلام) فكشفت الثوب عنه فإذا أنا بِه(عليه السلام) ساجداً يتلقّى الأرض بمساجده، فضممته إليّ فإذا أنا بِه نظيف منظّف، فصاح بي أبو محمّد(عليه السلام)هلمّي إليّ ابني يا عمّة، فجئت به إليه، فوضع يديه تحت إليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره، ثمّ أدلى لسانه في فيه وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثمّ قال: تكلّم يا بنيّ، فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثمّ صلّى على


(1) المراد بالفترة سكون المفاصل وهدوؤها قبل غلبة النوم، والمراد بالفطرة انشقاق البطن بالمولود وطلوعه منه.

154

أميرالمؤمنين وعلى الأئمّة إلى أن وقف على أبيه، ثمّ أحجم.

قال أبو محمّد(عليه السلام) يا عمّة، اذهبي به إلى اُمّه ليسلّم عليها وائتيني به، فذهبت به فسلّم عليها، ورددته ووضعته في المجلس، ثمّ قال: يا عمّة، إذا كان يوم السابع فأتينا.

قالت حكيمة: فلمّا أصبحت جئت لاُسلّم على أبي محمّد(عليه السلام)فكشفت الستر لأفتقد سيّدي(عليه السلام) فلم أرَه، فقلت له: جعلت فداك ما فعل سيّدي؟ فقال: يا عمّة، استودعناه الذي استودعته اُمّ موسى(عليه السلام).

قالت حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئت وسلّمت وجلست، فقال: هلمّي إليّ ابني. فجئت بسيّدي في الخرقة ففعل به كفعلته الاُولى، ثمّ أدلى لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبناً وعسلاً، ثمّ قال: تكلّم يا بنيّ. فقال(عليه السلام): أشهد أن لا إله إلّا الله، وثنّى بالصلاة على محمّد وعلى أميرالمؤمنين والأئمّة (صلوات الله عليهم أجمعين) حتّى وقف على أبيه(عليه السلام)، ثمّ تلا هذه الآية: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الاَْرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (1)».

 


(1) سورة 28 القصص، الآية: 5 ـ 6.

155

 

الغيبة الصغرى:

روى في البحار(1) عن غيبة الشيخ الطوسي وعن الخرائج، عن رشيق صاحب المادراي قال: «بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر، فأمرنا أن يركب كلّ واحد منّا فرساً ويجنب آخر(2) ونخرج مخفَّفين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلّا على السرج مصلّى، وقال لنا: الحقوا بسامرّة ووصف لنا محلّةً وداراً، وقال: إذا أتيتموها تجدوا على الباب خادماً أسود، فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها فائتوني برأسه، فوافينا سامرّة، فوجدنا الأمر كما وصفه وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكّة(3) ينسجها، فسألناه عن الدار ومن فيها. فقال: صاحبها. فوالله ما التفت إلينا وقلّ اكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما أمرنا، فوجدنا داراً سرّية(4)، ومقابل الدار سترٌ ما نظرتُ قطّ إلى أنبل منه كأنّ الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت(5)، ولم يكن في الدار أحد.

 


(1) بحار الأنوار 52: 51 ـ 52.

(2) لعلّ الصحيح: وبجنب آخر، أي: يكون بعضنا بجنب بعض.

(3) التكّة: رباط السروال.

(4) أي: مستورة.

(5) أي: سترٌ نبيلٌ جديد كأنّ الناسجين رفعوا يدهم عن نسجه في ذلك الوقت.

156

فرفعنا الستر فإذا بيتٌ كبير كأنّ بحراً فيه، وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنّه على الماء وفوقه رجل من أحسن الناس هيئةً قائمٌ يصلّي(1)، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله(2) ليتخطّى البيت فغرق في الماء، وما زال يضطرب حتّى مددتُ يدي إليه فخلّصته وأخرجتُه، وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك، وبقيتُ مبهوتاً.

فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك، فوالله ما علمتُ كيف الخبر ولا إلى من أجيء، وأنا تائب إلى الله، فما التفت إلى شيء ممّا قلنا، وما انفتل عمّا كان فيه(3)، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه وقد كان المعتضد ينتظرنا وقد تقدّم إلى الحجّاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أيّ وقت كان(4).

 


(1) أقول: إنّ الرجل الذي كان يصلّي على الحصير المفروش على الماء: إن كان هو الحجّة (عجّل الله فرجه) فإمّا أن تفسّر كلمة «الرجل» بمعنى الذكر في مقابل الاُنثى، أو يحمل على أنّه(عليه السلام) تراءى بالإعجاز بهيئة الرجل كما أنّ أصل فرش الحصير على ما يُرى بحراً كان إعجازاً.

(2) وهو أحد الثلاثة، أو قل أحد رفيقي رشيق صاحب المادراي.

(3) أي: لم يترك(عليه السلام) صلاته.

(4) أي: كان قد أمر الحجّاب أن لا يمنعونا من الدخول عليه في أيّ وقت وصلْنا إليه.

157

فوافيناه في بعض الليل، فاُدخِلنا عليه فسألنا عن الخبر، فحكينا له ما رأينا، فقال: ويحكم، لقيكم أحدٌ قبلي، وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول؟ قلنا: لا.

فقال: أنا نفيٌ من جدّي(1) وحَلَفَ بأشدّ أيمان له أنّه إن بلغ هذا الخبر رجلاً ليضربنّ أعناقنا، فما جسرنا أن نحدّث به إلّا بعد موته».

ثمّ روى صاحب البحار(2) تكملة القصّة عن كتاب الخرائج، وهي ما يلي:

ثمّ بعثوا عسكراً أكثر، فلمّا دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القرآن، فاجتمعوا على بابه وحفظوه حتّى لا يصعد ولا يخرج، وأميرهم قائم حتّى يصل العسكر كلّهم، فخرج من السكّة التي على باب السرداب ومرّ عليهم، فلمّا غاب قال الأمير: انزلوا عليه، فقالوا: أليس هو مرّ عليك؟ فقال: ما رأيت، قال: ولِمَ تركتموه؟! قالوا: إنّا حسبنا أنّك تراه.

وقال الحاجّ عادل الأديب (حفظ الله)(3) معلّقاً على هذا المقطع من


(1) أي: لستُ منتسباً إلى جدّي العباس إن لم أقتلكم لو أخبرتم أحداً بهذه القصّة.

(2) بحار الأنوار 52: 52 ـ 53.

(3) في كتابه (الأئمّة الاثنا عشر): 256.

158

الحديث: «ومن طريف حال هؤلاء الجلاوزة أنّهم لم يبادروا للقبضعليه، بل وقفوا على باب السرداب يحافظون عليه، فهم يخافون مواجهته(عليه السلام) ويحتاجون إلى مدد أكثر، وعدد أكثر فهم منتظرون لوصول المدد من بغداد إلى سامراء، وفي هذه الأثناء من الترقّب استغلّ الإمام(عليه السلام)لحظة من لحظات ذلك الحصار لحظة اقترنت بالدقّة والتوقيت والضبط في التدبير والعناية الإلهيّة، إنّها لحظة غفلة قائد الحملة عن الترصّد والانتباه لحظة لم يأت فيه المدد ولم تصدر الأوامر بعدُ لاقتحام المكان، ولو كان الإمام(عليه السلام) قد تأخّر لحظات اُخرى لقبضوا عليه لا محالة».

 

النوّاب الأربعة:

النائب الأوّل: من نُصب من قبل عليّ الهادي(عليه السلام) باباً له، ثمّ نصبه الحسن بن عليّ(عليه السلام) باباً له، وهو أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ رضوان الله عليه، وكان أسديّاً ينسب إلى جدّه فقيل: «العمريّ»، ويقال له: «العسكريّ» أيضاً; لأنّه كان من عسكر سرّ من رأى، «السمّـان»; لأنّه كان يتّجر في السمن تغطيةً على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد(عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من الأموال أوصلوها إلى أبي عمرو عثمان بن سعيد، فكان يجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمّد(عليه السلام) تقيّةً وخوفاً(1).

 


(1) راجع بحار الأنوار 51: 344.

159

وكانت توقيعات صاحب الأمر(عليه السلام) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته وخواصّ أبيه أبي محمّد(عليه السلام)بالأمر والنهي والأجوبة عمّا تسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه، بالخطّ الذي كان يخرج في حياة الحسن(عليه السلام)(1)، فلم تزل الشيعة مقيمةً على عدالتهما إلى أن توفّي عثمان بن سعيد(رحمه الله)(2).

وأيضاً روي عن جمع من الشيعة قالوا: «اجتمعنا إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ(عليه السلام)نسأله عن الحجّة من بعده وفي مجلسه أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمريّ فقال له: يا ابن رسول الله، اُريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي(3)، فقال له: اجلس يا عثمان. فقام مغضباً ليخرج(4)، فقال: لا يخرجنّ أحد. فلم يخرج منّا أحد إلى أن كان بعد ساعة فصاح(عليه السلام) بعثمان فقام على قدميه


(1) وهذا أيضاً من ألطاف الله سبحانه الذي جعل خطّ الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه) في توقيعاته المباركة عين خطّ أبيه(عليه السلام)، كي لا تحسّ الشيعة باختلاف الوضع من بعد الغيبة إلى أن يألفوا الوضع بهدوء وسكون القلب وعدم الانفطار.

(2) المصدر السابق: 346.

(3) أي: أنت أعلم بما في نفوسنا من سؤال.

(4) كأنّه(رحمه الله) فهم من قول الإمام «اجلس يا عثمان» الردّ على ما طلبه، فيئس وأراد الخروج، فقال الإمام(عليه السلام): لا يخرجنّ أحد.

160

فقال: اُخبركم بما جئتم؟ قالوا: نعم يا ابن رسول الله. قال: جئتمتسألوني عن الحجّة من بعدي. قالوا: نعم، فإذا غلام كأنّه قطعةقمر أشبه الناس بأبي محمّد(عليه السلام). فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عُمْر(1)، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه»(2).

النائب الثاني: أبوجعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ.

قال المجلسيّ في البحار(3): «فلمّا مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه أبوجعفر محمّد بن عثمان مقامه بنصّ أبي محمّد(عليه السلام)(4) ونصّ أبيه عثمان عليه بأمر القائم(عليه السلام)».

النائب الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح.

 


(1) أي: حتّى يطول عُمره.

(2) بحار الأنوار 51: 346 ـ 347.

(3) المصدر السابق: 347.

(4) يقصد به ما رواه في المصدر نفسه: 345 ـ 346 من كلام الإمام العسكريّ(عليه السلام): «واشهدوا على أنّ عثمان بن سعيد العمريّ وكيلي، وأنّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم».

161

روى في البحار(1) عن غيبة الشيخ الطوسي(رحمه الله) بسند له عن جعفربن محمّد المدائني قال: كان من رسمي إذا حملت المال الذي في يدي إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمريّ (قدّس الله روحه) أن أقول له ما لم يكن أحد يستقبله بمثله(2): «هذا المال مبلغه كذا وكذا للإمام(عليه السلام)»، فيقول لي: «نعم دعه»، فاُراجعه فأقول له: «تقول لي: إنّه للإمام(عليه السلام)؟»، فيقول «نعم للإمام(عليه السلام)»، فيقبضه.

فصرت إليه آخر عهدي به (قدّس الله روحه) ومعي أربع مئة دينار فقلت له على رسمي. فقال لي: «امض بها إلى الحسين بن روح». فتوقّفت فقلت: «تقبضها أنت منّي على الرسم». فردّ عليّ كالمنكر لقولي قال: «قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح».

فلمّا رأيت في وجهه غضباً خرجت وركبت دابّتي، فلمّا بلغت بعض الطريق رجعت كالشاكّ(3)، فدققت الباب، فخرج إليّ الخادم فقال: «من هذا؟» فقلت: «أنا فلان فاستأذِن لي»، فراجعني وهو منكر لقولي


(1) بحار الأنوار 51: 352 ـ 353، وراجع أيضاً تكملة الحديث إلى صفحة 354.

(2) أي: كانت العلامة بيننا ما لم يكن يقع بينه وبين الآخرين، فكان يفهم من ذلك أنّ هذا المال للإمام.

(3) أي: قلت في نفسي: ما معنى إرجاعي إلى الحسين بن روح مع أنّه هو الباب؟!

162

ورجوعي(1)، فقلت له: «ادخل فاستأذن لي، فإنّه لابدّ من لقائه»، فدخل وعرّفه خبر رجوعي وكان قد دخل إلى دار النساء، فخرج وجلس على سرير... فقال لي: «ما الذي جرّأك على الرجوع ولِمَ لم تمتثل ما قلته لك؟» فقلت: «لم أجسر على ما رسمته لي»(2)، فقال لي وهو مغضب: «قم عافاك الله فقد أقمتُ الحسين بن روح مقامي ونصبته منصبي». فقلت: «بأمر الإمام؟» قال: «قم عافاك الله كما أقول لك». فلم يكن عندي غير المبادرة.

فصرتُ إلى أبي القاسم بن روح وهو في دار ضيّقة، فعرّفته ما جرى فسُرّ به(3) وشكر الله ـ عزّ وجلّ ـ ودفعتُ إليه الدنانير، وما زلتُ أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك...

النائب الرابع: عليّ بن محمّد السمريّ.

روى المجلسيّ في البحار(4) بسند له: «...وكيله(5)عثمان بن سعيد، فلمّا مات عثمان بن سعيد أوصى إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان، وأوصى


(1) أي: أنّ الخادم استنكر قولي ورجوعي.

(2) أي: لم أطمئن بما رستمه لي من الرجوع إلى الحسين بن روح وأنا أعرفك أنت بعنوان الباب.

(3) أي: فرح بانتخاب الإمام(عليه السلام) إيّاه من بين المخلصين.

(4) بحار الأنوار 51: 360.

(5) يعني وكيل الحجّة عجّل الله فرجه.

163

أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى أبوالقاسم إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السمريّ(رضي الله عنه)...».

 

الغيبة الكبرى:

مضى أبو الحسن السمريّ(قدس سره) في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاث مئة(1).

وقد روى في البحار(2) عن غيبة الشيخ الطوسي بسند له، عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتّب: «قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفيّ فيها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمريّ (قدّس الله روحه) فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم يا عليّ بن محمّد السمريّ، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب


(1) راجع بحار الأنوار 51: 360.

(2) المصدر السابق: 361.

164

مفتر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: مَن وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه. وقضى، فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه».

وروى صاحب البحار أيضاً(1) هذا الحديث نفسه عن (كمال الدين وتمام النعمة) عن الحسن بن أحمد المكتّب.

أقول: إنّ انقطاع النيابة الخاصّة بوفاة السمريّ (رضوان الله عليه) لا يعني انقطاع النيابة على الإطلاق، بل وصلت النوبة إلى النيابة العامّة المتمثّلة في كلّ فقيه عادل كفوء جامع للشرائط. وقد بحثنا في عدد من كتبنا السابقة بكلّ تفصيل عن ذلك، من قبيل: كتابنا (أساس الحكومة الإسلاميّة)، وكتابنا (ولاية الأمر في عصر الغيبة)، وكتابنا (المرجعيّة والقيادة)، وآخرها حتّى اليوم كتابنا (كتاب البيع).

وقد اتّضح بما سردناه كيف أنّ الإمامين الهادي والعسكريّ(عليهما السلام)ثمّ الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) تدرّجوا في الاحتجاب عن الناس حتّى هيّأوا نفوس الشيعة للغيبة الكبرى، وثقّفوهم بالتدريج لمتطلّبات أيّام الغيبة الكبرى وتثبيت الفكرة التي رسخت منذ زمن الأئمّة


(1) المصدر السابق.

165

الأوائل (سلام الله عليهم)، وهي فكرة «مجاري الاُمور والأحكام بيد العلماء بالله الاُمناء على حلاله وحرامه»(1)، ولولا ذلك لكانت تنتهي الغيبة الكبرى إلى ضياع الشيعة ودمارهم، وبالتالي إلى ضياع الإسلام ودماره.

وأخيراً بودّي أن اُنبّه على أنّ علائم الظهور القريبة من قبيل: الصيحة والسفيانيّ لم يقع شيء منها حتّى الآن، وعلائم الظهور العامّة على قسمين:

القسم الأوّل: ما ثبت لنا بالتواتر، من قبيل: امتلاء الدنيا ظلماً وجوراً، وهذا ما حصل حتّى الآن يقيناً.

والقسم الثاني: بعض الاُمور الثابتة بأخبار الآحاد، وهذه ليست متيقّنة، والأخبار فيها متضاربة.

إلّا أنّ الذي آمله هو أن تكون العلامة الحقيقيّة هي التي بدأنا في زماننا نشاهد إرهاصاتها، فإنّا نعلم أنّ الإمام الحجّة يقوم بعد الظهور إلى السفر إلى فلسطين وينزل عيسى(عليه السلام) كي يصلّي خلفه، وفلسفة ذلك واضحة لدينا، وهي: أنّ مقاتلة الكفّار ومنهم القاطنون في فلسطين المحتلّة غير شرعيّة وغير معقولة من قبل إمام الرحمة (عجّل الله فرجه) من دون البدء بإتمام حجّة واضحة عليهم حتّى يهتدي الكثيرون منهم،


(1) هذه رواية مرويّة عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) في تحف العقول: 238.

166

وهذا لا يكون إلّا بنزول المسيح(عليه السلام) وصلاته خلف الحجّة (عجّل الله فرجه)، وإرهاصات ذلك واضحة اليوم، وهي تصاعد التصادم الكبير بين المسلمين والصهاينة في فلسطين المحتلّة: فمن جانب نرى الصهاينة مصرّين على إنهاء قدرة الإسلام، ومن جانب آخر نرى المسلمين السنّة متّفقين مع المسلمين الشيعة الذين يعملون في لبنان تحت مظلّة (حزب الله) على معارضتهم، وشعلة الخلاف تتصاعد يوماً بعد يوم بين الطرفين، ولا يوجود حلّ حاسم لذلك عدا ظهور المسيح وصلاته خلف الحجّة(عليهما السلام). هذا من ناحية.

ومن ناحية اُخرى نرى انتشار الإسلام بشكل واسع في شتّى أرجاء العالم حتّى في بطن بلاد الكفر ممّا أرهب الأعداء الكفرة وهم يحاولون إطفاء نور الإسلام ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾(1)، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾(2).

ومن ناحية ثالثة نرى أنّ الإمام (عجّل الله فرجه) حينما يظهر فهو بحاجة ـ بغضّ النظر عن الإعجاز ـ إلى قدرة إسلاميّة تعضده، وها هي قد تمثّلت بما رأيناه في زماننا من إقامة حكومة إسلاميّة مباركة في


(1) سورة 9 التوبة، الآية: 32.

(2) سورة 61 الصفّ، الآية: 8.

167

إيران. وأرجو أن لا يطول الأمر أكثر من ذلك، فإنّ صبرنا قد نفد.

اللّهمّ عجّل فرج مولانا صاحب الزمان، واجعلنا من أنصاره وأعوانه ومن المستشهدين بين يديه بحقّ محمّد وآله صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.

أختم كتاب الإمامة وقيادة المجتمع بأبيات من مقطع شعريّ أنشأه المرحوم الأربليّ(قدس سره) في مدح أئمّتنا في كتابه كشف الغمّة(1):

أيّها السادةُ الأئمّةُ أنتم
خيرةُ الله أوّلاً وأخيرا
قد سموتم إلى العلى فافترعتم(۲)
بمزاياكمُ المحلَّ الخطيرا
أنزل اللهُ فيكمُ هل أتى
نصّاً جليّاً في فضلكم مسطورا
مَن يُجاريكمُ وقد طهّر اللهُ
تعالى أخلاقكم تطهيرا
إن جرى البرقُ في مداكم كبا
مِن دون غاياتكم كليلاً حسيرا


(1) كشف الغمّة 3: 361 ـ 363.
(2) أي: صعدتم.
168

بسطوا للندى اُكفّاً سباطاً(۱)
ووجوهاً تحكي الصباحَ المنيرا
وأفاضوا على البرايا عطايا
خلّفت فيهمُ السحابَ المطيرا
فتراهم عند الأعادي ليوثاً
وتراهم عند العفاة(۲) بحورا
يمنحونَ الوليَّ جنّةَ عدن
والعدوُّ الشقيّ يَصلى سعيرا
يطعمونَ الطعامَ في العسرِ واليسرِ
يتيماً وبائساً وأسيرا
لا يُريدونَ بالعطاءِ جزاءً
مُحبطاً أجرَ برّهم أو شكورا
فكفاهم يوماً عبوساً وأعطا
هُم على البرّ نضرةً وسُرورا
وجزاهم بصبرهِم وهو أولى
من جزى الخيرَ جنّةً وحريرا


(1) أي: مبسوطة.
(2) أي: الطالبين فضلهم ومعروفهم سلام الله عليهم.
169

وإذا ما ابتدوا لفصل خطاب
شَرَّفوا مِنبراً وزانوا سريرا
بخّلوا الغيثَ نائلاً وعطاءً
واستَخَفُّوا يَلَمْلَماً(۱) وثَبيرا(۲)
يَخلُفون(۳) الشموس نوراً وإشراقاً
وفي الليلِ يُخجلون البدورا
أنا عبدٌ لكم اُدين بحبّي
لكم الله ذا الجلال الكبيرا
عالمٌ أنّني أصبت وأنّ
اللهَ يولي لطفاً وطرفاً(٤) قريرا
مال قلبي إليكم في الصبى الغَضِّ
وأحببتُكُم وكنتُ صغيرا
أظهَرَ اللهُ نورَكم فأضاء
الاُفقُ لمّا بدا وكنتُ بصيرا


(1) جبل.
(2) الثبير: الأرض السهلة، أي: استخفّوا الجبال والسُهول.
(3) أي، يجعلون الشموس خلفهم ومتأخّراً عنهم في درجة النور والإشراق.
(4) أي: نظراً وإبصاراً.
170

فهداني إليكم الله لطفاً
بي وما زال لي وليّاً نصيرا
كم أياد أولى وكم نعمة
أسدى فلي أن أكون عبداً شكورا
أمطرتني منه سحائبُ جود
عاد حالي بهنّ غضّاً نضيرا
وحماني من حادثات عظام
عدتُ فيها مؤيّداً منصورا
لو قطعتُ الزمان في شكرِ أدنى
ما حباني به لكنتُ جديرا
فلهُ الحمدُ دائماً مستمرّاً
وله الشكرُ أوّلاً وأخيرا

 

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

1 / رمضان المبارك / 1429