المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

31

ويتجلّى هذا بوضوح لو لاحظنا البناء الإسلاميّ الكلّ، ودور العبادات البارز في هذا التصميم الربّانيّ للحياة.

أمّا الشفعاء والشفاعة فقد وضعها الإسلام في الإطار الإيجابيّ البنّاء الباعث على الأمل والمحقّق لغايات كبرى، نافياً عنها السلبيّات المتصوّرة في الشفاعات الخرافيّة.

الرابعة: أنّه ذكر بالنسبة للقسم العالميّ من الأديان: أنّ أصحابه يعرفون كيف يموتون أكثر ممّا يعرفون كيف ينتصرون، وطبّقه على المسيحيّة الواقعيّة التي تربّي أتباعها على الزهد بالدنيا والاهتمام بخلاص الروح من أسر هذه المتع الزائلة، وعدم المساهمة بالتالي في تحقيق أهداف المجتمع في النصرة والعزّة.

وهذه التصوّرات ـ التي طبّقها على ما افترضه هو مسيحيّة واقعيّة ـ بعيدة كلّ البعد عن الإسلام.

فإنّ الإسلام يعتبر الجهاد في سبيل النصر الإسلاميّ، وعزّة المجتمع المسلم، وتطبيق أهداف الإسلام في المجتمع من أفضل العبادات. وممّا لا شكّ فيه أنّ الدوافع الحركيّة في هذا السبيل تتجاوز كثيراً الدوافع المصلحيّة الضيّقة للنصر.

إنّ الانتصار في خلد المسلم يعني دفع عجلة التقدّم الإنسانيّ ذي المسيرة الواحدة عبر التأريخ إلى هدفها النهائيّ العظيم، وهو تحقيق المجتمع الكامل العابد الموحّد المتنعّم بكلّ خصائص السعادة الحقيقيّة. وكلّ مسلم مكلّف في تحقيق أقصى ما يمكن في هذا السبيل.

وما أكثر النصوص الواردة المؤكّدة على الإعداد الكامل لذلك من مثل: ﴿وَ أَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّة وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾(1).

إنّ المؤمن ليهتمّ بمصالح مجتمعه أكثر من اهتمامه بذاته ومصالحها، ومن هنا كان الزهد في الإسلام عمليّة تحرير من أسر المصالح الدنيويّة الضيّقة، وعلوّاً معنويّاً للنفس عليها، فلا يأسى على ما فاته، ولا يبطر بما حصل عليه منها.


(1) سورة الأنفال، الآية: 60.