المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

30

الاُولى: ذكر في النوع الثالث من الأديان: أنّه يفترض نظاماً ووطناً وقوانين دينيّة في قبال النظم والقوانين والوطن الذي يفترض في إطار السلطة الحاكمة، ممّا يوزّع الإنسان بين وطنين ونظامين ورئيسين، ورتّب على ذلك الفساد المتوقّع والتمزّق الذي يعرقل المسيرة الاجتماعيّة.

والإسلام لا يمتلك مثل هذا التصوّر. إنّه يجعل الله هو المشرّع وهو الحاكم الحقيقيّ، والمخطّط لمسيرة الاُمّة وحده، لا شريك له في العبوديّة والتشريع، كما لا شريك له في الذات. وبالتالي فلن يفترض توزّع الاُمّة المسلمة بين نظامين، فليس إلّا نظام واحد يحقّق السعادة الاجتماعيّة دون غيره، ويرسم للإنسان طريق الكمال الحقيقيّ، موجّهاً لكلّ نشاطاته وحالاًّ كلّ مشاكله على ضوء علم إلهيّ غير محدّد بالكون والإنسان.

وهكذا فالمجتمع المسلم الحقّ هو المجتمع الذي يرفض أيّ سلطة غير سلطة الإسلام.

الثانية: أنّ روسو ـ من خلال حديثه ـ يقيّم الدين وواقعيّته على أساس نفعه للدولة ومدى ما يحقّقه من إمكانات لها في تسيير اُمور المجتمع المدنيّ، فالمقياس الأعلى لتقييم الدين هو مدى نجاحه في عجلة التنظيم المدنيّ والسياسيّ.

وهذا مقياس مقلوب، فالعلاقة الحقيقيّة بالدين يجب أن تتمّ على ضوء مطابقته للواقع، ومدى توفّر الإثباتات العقليّة والفطريّة والمدارك المقنعة على صحّة معتقداته واقعاً، وصحّة نسبته إلى الله تعالى. فإذا توفّر الدليل التامّ على صحّته، منحته البشريّة زمامها لينظّمها ويوجّهها، لا أنّها تبدأ أوّلاً ببناء نظامها مستقلّة عن السماء ثمّ لا تقبل أيّ دين إلّا إذا أثبت جدارته في إعانتها على تمشية اُمور نظامها المدنيّ المذكور.

الثالثة: أكّد روسو في النوع الثاني من الأديان على أنّه يلقي المجتمع في الخرافات والأوهام، ويغرق عبادة الله في طوفان من الطقوس الجوفاء. أمّا الإسلام فنرى أنّ نظام العبادات فيه وما يحقّقه من معطيات وآثار أساسيّة على المسيرة الحضاريّة للإنسان والسير التكامليّ للمجتمع خالية من الأوهام الوثنيّة وغيرها تكفي لنفي هذا التصوّر عن الدين الحقيقيّ.