المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

28

كلّ إنسان سوف يقوم بواجبه، والشعب سيخضع للقوانين، ويكون الرؤساء عادلين معتدلين، والحكّام مستقيمين نزيهين، وسيستهين الجنود بالموت، ولن يكون هناك لا زهو ولا شرف، فكلّ هذا جميل بالغ الجمال، ولكن دعنا ننظر فيما هو أبعد.

إنّ المسيحيّة هي دين روحانيّ تماماً لا تشغله سوى اُمور السماء وحدها، فوطن المسيحيّ ليس في هذا العالم. صحيح: أنّه يؤدّي واجبه، لكنّه يؤدّيه بلا مبالاة عميقة بنجاح أو بسوء عاقبة مساعيه، وشريطة أن لا يكون ثمّة ما يلام عليه، فلا يهمّه أن تسير الاُمور كلّها سيراً حسناً أو سيّئاً في هذا العالم الدنيويّ، وإذا كانت الدولة مزدهرة فلا يكاد يجرؤ على التمتّع بالسعادة العامّة، ويخشى أن يأخذه الزهو بمجد بلاده، وإذا هلكت الدولة فإنّه يبارك يد الله التي شدّدت قبضتها على شعبه.

ولكي يكون المجتمع هادئاً ويبقى الانسجام فيه لابدّ أن يكون المواطنون جميعاً بلا استثناء مسيحيّين صالحين على السواء، ولكن إذا وجد هناك لسوء الحظّ طموح واحد، مخادع واحد، فإنّ مثل هذا الرجل سيجد بلا ريب سوقاً رائجة في مواطنيه الأتقياء، فالبرّ المسيحيّ لا يسمح بسهولة بالظنّ سوءاً بالجار. وما أن يجد أحدهم بحيلة ما المهارة في أن يفرض نفسه، ويتولّى على جزء من السلطة العامّة حتى يصير رجلاً يحفّ به التكريم، فالله يريد له أن يحترم، وإذا تعسّف المؤتمن على هذه السلطة فإنّه الصولجان الذي يعاقب به الربّ أبناءه. والمسيحيّ لا يستريح ضميره تماماً لطرد المتعصّب؛ إذ لابدّ لذلك من إقلاق الراحة العامّة واستخدام العنف وإراقة الدماء، وهذا كلّه لا يتّفق مع وداعة المسيحيّ. وعلى كلّ حال ماذا يهمّ أن يكون الإنسان حرّاً أو عبداً في وادي البؤس هذا؟ الجوهريّ هو الذهاب إلى الجنّة، وما التسليم إلّا وسيلة في سبيل ذلك.

وإذا وقعت حرب خارجيّة يسير المواطنون بلا مشقّة إلى المعركة، ما من أحد منهم يخطر على باله الفرار، إنّهم يقومون بواجبهم، ولكن دون حماسة للنصر، يعرفون كيف يموتون أكثر ممّا يعرفون كيف ينتصرون! فماذا يهمّ إذا كانوا منتصرين أو مهزومين؟