المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

27

فالثالث واضح كلّ الوضوح أنّه سيّئ، ومن العبث إضاعة الوقت في البرهان على ذلك.

والثاني جيّد في حدود توحيده للعبادة الإلهيّة وحبّ القوانين، وهو إذ يجعل من الوطن موضوع عبادة المواطنين، يعلّمهم بأنّ خدمة الدولة هي خدمة الإله الحافظ لها، ويكون الموت في سبيل البلاد استشهاداً، وخرق القوانين إلحاداً، ولكنّه سيّئ في أنّه يخدع البشر، نظراً لأنّه مبنيّ على الخطأ والكذب، ويجعلهم بُلَهاء متعلّقين بالخرافات، ويغرق عبادة الله في طوفان من الطقوس الجوفاء، وهو سيّئ أيضاً؛ إذ يصبح قاصراً وطاغياً، فيجعل الشعب سفّاكاً ومتعصّباً بحيث لا يتنفّس إلّا القتل والمذابح ويعتقد أنّه يقوم بعمل مقدّس، وهو يقتل أيّاً كان لا يؤمن بآلهته، وهو يضع مثل هذا الشعب في حالة طبيعيّة من الحرب مع جميع الشعوب الاُخرى مضرّة جدّاً بأمنه الخاصّ.

يبقى إذن: الأوّل، وهو دين الإنسان أو المسيحيّة، لا مسيحيّة اليوم، وإنّما مسيحيّة الإنجيل التي تختلف عنها اختلافاً تامّاً. فبمقتضى هذا الدين المقدّس الساميّ الحقيقيّ يعترف البشر ـ وهم أبناء الإله نفسه ـ أنّهم جميعاً إخوة، والمجتمع الذي يضمّ موحّدين لا ينحلّ حتّى الموت.

لكن هذا الدين لمّا كان لا تربطه أيّة علاقة خاصّة بالهيئة السياسيّة يترك للقوانين القوّة الوحيدة التي يستمدّها من ذاتها دون أن يضيف إليها أيّ قوّة اُخرى، وبذلك تظلّ رابطة من أعظم روابط المجتمع الخاصّة دون أثر، بل وأكثر من ذلك، فبدلاً من أن يربط قلوب المواطنين بالدولة يفصلها عنها، كما يفعل بالنسبة لجميع أشياء الدنيا.

يقال لنا: إنّ شعبنا المسيحيّين الحقيقيّين قد يشكّل أكمل مجتمع للمرء أن يتخيّله، وأنا لا أرى في هذا الافتراض سوى صعوبة عظيمة واحدة، وهي: أنّ مجتمعاً مكوّناً من مسيحيّين حقيقيّين سوف لا يبقى مجتمعاً من البشر، بل إنّني أقول: إنّ هذا المجتمع المفترض لن يكون برغم كلّ كماله لا المجتمع الأقوى ولا الأكثر دوماً، فمن فرط كماله سوف يفتقر إلى الرابطة، وعيبه المدمّر سيكون في كماله نفسه.