المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

25


تريد أن تبيّن أنّه مع وجود التجربة الدينيّة لا نحتاج إلى عمليّة التوجيه للمعتقدات الدينيّة... (بتصرّف عن حوار أجرته مجلّة نقد ونظر بالفارسيّة مع الدكتور لغن هاوزن).

فالمراد بالتجربة على ضوء التحوّلات الحديثة شكل من الوعي المباشر من مقام الإلوهيّة؛ إذ يكون الفرد مواجهاً لشرائط مادّيّة خاصّة تهيّئ له الأرضيّة المناسبة للمواجهة مع الله تعالى عمّا يصفون، بل إنّ الله يضع التجربة العرفانيّة تحت اختيار الإنسان من خلال تمهيد شرائطها له. فالتجربة إذن نوع من النهج الروحيّ والداخليّ، ونوع من التجربة الحضوريّة المباشرة، والوعي الداخليّ لوضع ماورائيّ، وليست ذات مفاد ذهنيّ أو نشاط عقليّ.

وقالوا: بما أنّ للتجربة هذه أنحاءً مختلفة فلابدّ لأن تكون دينيّة أن يكون متعلّقها موجوداً ممّا وراء الطبيعة، كأن يكون هو الله أو تجلّياً من تجلّياته، على أن يعتمد المجرِّب في وصف تجربته على المفاهيم الدينيّة.

وقد اختلف الكنسيّون والمفكّرون الغربيّون في تحقيق حقيقة هذه التجربة على مسالك: منها: أنّها سنخ من الإحساس، وليست ذات بعد معرفيّ، بل نوع من الشهود العاطفيّ الحسّيّ. ويدّعي فريدريك شلاير ماخر المتألّه الكنسيّ: أنّ التجربة الدينيّة عبارة عن الإحساس بالاتّكاء المطلق على قدرة متمايزة عن العالم. فهو يرى أنّ التجربة هذه نحو شهود يكتسب قيمته من الخارج، أي: أنّه مستقلّ عن المفاهيم والتصوّرات الذهنيّة، لذا تكون التجربة من المقولات السامية على المفاهيم، فلاتكون قابلة للوصف. (راجع للتفصيل: فرهنگ واژه ها ـ فارسيّ ـ عبد الرسول بيات، ص 63 وما بعدها).

وهناك عدّة عوامل تعاضدت على بروز هذا اللون من التفكير:

منها: وصول الفكر الفلسفيّ الاُوروبّيّ إلى طريق مسدود، وخواء استدلالاته العقليّة ممّا أوجب التوجّه نحو الإحساس والعاطفة، ومن ثمّ نموّ التيّار الرومانسيّ الذي يؤكّد الأحاسيس ويعتمد الذوق والعاطفة بحيث أصبحت المطلقات العقليّة محلاًّ للتشكيك ومورداً للنقد.

وظهور هذا التيّار صار أرضيّة مناسبة لتأكيد عنصر العاطفة والإحساس في الميادين الدينيّة، لذا عدّ شلاير ماخر التجربة الدينيّة القائمة على الإحساس والعاطفة جوهر الدين.

ومنها: توجّه النقود المتنوّعة لكتاب المسيحيّين المقدّس وتعاليمه، وعدم قدرة الكنيسة على ردّها ممّا حدى ببعض فلاسفة الكنيسة إلى نقل مركز ثقل الإيمان من الكتاب المقدّس إلى باطن قلب المؤمن كعمليّة إنجاء أصل الدين وخلاصه ـ بحسب توهّمه ـ من خدشة تلك النقود، وفرض أنّ مهمّة الكتاب المقدّس هي إحياء التجربة الدينيّة في الإنسان.

ومنها: فلسفة إمانوئل كانْت (1724 ـ 1804م) الفيلسوف الذي عارض الإلهيّات الطبيعيّة القائمة على الاستدلال العقليّ كما مرّ عليك سابقاً، وعليه اعتبر الإلهيّات الكنسيّة خارجة عن دائرة العقل النظريّ، وصنّفها في دائرة العقل العمليّ،