المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

24


3 ـ التجربة الدينيّة:

مفهوم التجربة الدينيّة وإن كان ذا قدمة في الفكر الكلاميّ والفلسفيّ الغربيّ، إلّا أنّه اكتسب بسبب التحوّلات الفكريّة الحديثة التي طرأت في بحوث فلسفة الدين والإلهيّات في الغرب معنىً جديداً.

يقول الدكتور محمّد لغن هاوزن: إنّ اصطلاح (التجربة الدينيّة) من المفاهيم التي أدّت دوراً أساسيّاً في (الإلهيّات المسيحيّة) من زمان شلاير ماخر (1834م)، و لازال يؤدّي دوراً مهمّاً لدى الإلهيّين من أمثال جان هيك، وويليام جيمز، وويليام آلستون، وألوين بلانتينجا. و قد أصبح لمفهوم (التجربة) في الفلسفة الغربيّة أهمّيّته الخاصّة من زمان التجريبيّين الإنجليز، أي: من القرن السابع و الثامن عشر من الميلاد.

طبعاً: هؤلاء قد استفادوا من هذا المصطلح في مقابل (العقل) و للإشارة إلى المحتوى الذهنيّ الناتج عن المعطى الحسّيّ، ثمّ توسّعت دائرة هذا المفهوم عند كلّ من شلاير ماخر و ويلام جيمز حين تناولهما للتجربة الدينيّة، بخاصّة حين التفاتهما إلى الإحساسات الشهوديّة والعاطفيّة ذات الدور الأساس في الحياة الدينيّة. و عرّفا مفهوم (التجربة الدينيّة) تعريفاً موسّعاً بحيث بات يشمل المكاشفات العرفانيّة التي يمكن عدّها النوع الأرقى من التجربة الدينيّة.

يقول برايتمن: «التجربة الدينيّة هي كلّ نوع تجربة يمكن أن تكون بين الإنسان وعلاقته بالله تعالى، وهي ليست نوعاً واحداً أو كيفيّة واحدة، بل عبارة عن منهج فريد لدرك التجربة». و تشكّل التجربة العرفانيّة عند برايتمن تجربة دينيّة، و تتمثّل في وعي الله تعالى بدون واسطة وبمعزل عن العقل و إرادة الفرد أو المجتمع، بل هي وعي مباشر بالله تعالى.

ويتمثّل مجهود (شلايرماخر) و (جيمز) حين دفاعهما عن الدين في صيانته من النقد العقليّ والاجتماعيّ، و لذا نجدهما يركّزان على الجهة الشخصيّة والفرديّة للدين. و هذا ينسجم تماماً مع الرؤية الليبراليّة للدين القائلة:إنّ الدين أمر شخصيّ مرتبط بالوجدان، و ليس له دور مهمّ في المجتمع المدنيّ، فتأكيد (ماخر) و (جيمز) على أنّ الدين أمر باطنيّ ينسجم مع تعاليم الليبراليّة، بل كلّ يقوّي الآخر.

على ضوء الوصف الذي ذكرناه يصبح كلّ الناس الملتزمين أصحاب (تجربة دينيّة)، بل من المحال ـ في الأصل ـ أن يكون الفرد متديّناً ولا يكون صاحب تجربة دينيّة؛ لأنّ في هذه التجارب توجّهاً خاصّاً إلى الاُمور الإلهيّة، فإنّ الدعاء، الصلاة، المناجات... كلّها تجربة دينيّة.

وأنا لا أعتقد أنّه يمكن الاستفادة من التجربة الدينيّة للدفاع عن المعتقدات الدينيّة، فإنّ استدلال (جان هيك) و (سوين برن) لهذه المسألة غير مقنع في نظري، ومضافاً إلى هذين المحقّقَين توجد طائفة اُخرى من المحقّقين ـ منهم بلانتينجا ـ