المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

22


ويرى (سورن كيركغور) أنّ من اُصول التعاليم المسيحيّة فكرة التجسّد [وحلول الله في عيسى]، وهي وفق المقاييس العقليّة مفهوم متناقض. وإنّما استحالة التعاليم الدينيّة [المسيحيّة] يجعلها جديرة بالإيمان.

وأمّا التيّار المعتدل، ففيه مستويات من الاعتدال يجمعها القول بعدم رفض المباني العقليّة في الاستدلال على العقائد الدينيّة، فمن تلك المستويات ما وجد في المسيحيّة الآغوسطينيّة من أنّ للاستدلال العقليّ ـ برغم تقدّم الإيمان عليه ـ بعض الدور في البحث عن الحقائق الدينيّه وتبيينها وفهمها. ويمكن للبراهين العقليّة أن تبيّن وتفسّر ما تمّ قبوله على أساس الإيمان.

ومنها ما عليه الفيلسوف النمساويّ (لودفيك ويتغنشتاين) (1889 ـ 1951م) من أنّ الإيمان غير مبتن على إثبات عقليّ أو تجريبيّ، ولا يراه أمراً إراديّاً، ولامضادّاً للعقل، والأدلّة الآفاقيّة يراها اُموراً أجنبيّة عن الإيمان. نعم، يمكن إثبات متعلّق الإيمان كوجود الله والآخرة عن طريق الاستدلال العقليّ، لكن بإثبات متعلّق الإيمان لايمكن ثبوت نفس الإيمان؛ إذ ما أكثر الاُمور التي نعتقد بوجودها لكن لا إيمان بها. (راجع للتفصيل: فرهنگ واژه ها ـ فارسيّ ـ عبد الرسول بيات، ص 63 وما بعدها).

وواضح: أنّ هذه المذاهب الكلاميّة المتضاربة وليدة كون المعتقد الكنسيّ في كثير من مفرداته غير قابل للإثبات العقليّ والبرهنة الفلسفيّة، بل يتضارب مع المبادئ العقليّة كمبدأ تجسيد الله في عيسى، ممّا اضطرّهم إلى هذا اللون من التخبّط في منهج إثبات العقائد تفادياً لإحراجات الموقف، كما تضارب العديد من تعاليم كتابها المقدّس مع المكتشفات العلميّة التي ألجأت الكنيسة أيّام غطرستها لتخيير المكتشفين بين الموت أو التوبة كاُسلوب يضطرّها إليه عجزها عن الدفاع عن جوانب الخلل في تعاليمها.

2 ـ التعدّديّة الدينيّة:

التعدّديّة مصطلح استعمل في بادئ الأمر في الكنيسة، وكان يطلق اصطلاح (التعدّديّ) على القسّ الذي يشغل أكثر من منصب في الكنيسة، لكنه اتّسع إطلاقه تدريجاً ليشمل المجالات السياسيّة، (فيطلق على قبول تعدّد الأحزاب والمنظّمات والمؤسّسات المدنيّة والجمعيّات المختلفة في الساحة السياسيّة بالتعدّديّة السياسيّة)، و المجالات الأخلاقيّة، (فيطلق على قبول النظريّة النسبيّة في الأخلاق ورفض الثوابت الخلقيّة والضوابط العامّة فيه بالتعدّديّة الأخلاقيّة)، ومجالات المعرفة البشريّة، حيث يبتني بعض مستوياتها على إنكار الحقيقة الواحدة، والقول بتعدّدها، وبعضها يبتني على تعدّد أوجه الحقيقة الواحدة، وأنّ ما يصيبه الفرد من المعرفة هو ضلع من أضلاعها، فتنتهي بعض مستويات التعدّديّة في المعرفة إلى القول