المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

15

ونحاول هنا قصر البحث على عرض بيان سماحة السيّد فيما يتعلّق بمفهوم الدين، فقد أشار أوّلاً وبشكل مختصر إلى الرؤية الغربيّة إلى الدين على أنّها قائمة على أساس تجريد الدين عن معناه الحيّ المتحرّك في حياة الإنسان، والرابط لشؤون المسيرة الإنسانيّة بالله تعالى تشريعاً وتنفيذاً، وقصره على كونه علاقة روحيّة مجرّدة عن أيّ تأثير على شُعب الحياة المدنيّة، ثمّ تطرّق بعد ذلك إلى تصوّرات المفكّر الفرنسيّ جان جاك روسو(1)، فقال دام ظلّه:

 


وبرغم ذلك يعدّ روسو من أهمّ الكتّاب في عصر العقل، وهو فترة من التأريخ الاُوروبّيّ، امتدّت من أوآخر القرن السابع عشر إلى أوآخر القرن الثامن عشر الميلاديّين، ومن أهمّ أعماله كتابه (العقد الاجتماعيّ)، وهو علامة بارزة في تأريخ العلوم السياسيّة؛ إذ طرح روسو فيه آراءه فيما يتعلّق بالحكم وحقوق المواطنين، وقد ساعدت فلسفة روسو في تشكيل الأحداث السياسيّة التي أدّت إلى قيام الثورة الفرنسيّة التي ابتدأت سنة (1789م). (راجع للتفصيل: تأريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم، ص 200 ـ 207، الطبعة الخامسة، دار المعارف ـ القاهرة، و (سير حكمت در اُروبّا) ـ فارسيّ ـ محمد علي فروغي مع تعليقات أمير جلال الدين أعلم، ص 295، ط الثالثة، البرز).

(1) من المناسب أن نبسط الحديث ـ بحدود ما يتطلّبه المقام من الخروج عن حدّ الإجمال ـ في الرؤية الغربيّة للدين كي تتّضح الأجواء الفكريّة والدينيّة التي عاصرها جان جاك روسو ممّا يسهّل على القارئ الكريم استيعاب نقاط الخلل في فهم روسو للدين، فنقول:

قد مرّت رؤية المفكّرين الغربيّين للدين بأدوار مختلفة بسبب التأثّر بالفلسفات القديمة أوالحديثة الحاصلة على إثر موجة عصر الحداثة التي غطّت اُوروبّا وأحدثت انقلاباً فكريّاً في ميادينها العلميّة والعقليّة، لذلك عندما ينظر الباحث إلى تعريفاتهم للدين يجد أنّها تشترك جميعها في إعطاء الدين بعداً شخصيّاً ذاتيّاً انسياقاً مع التيّارات الفلسفيّة والدينيّة الحديثة التي تلتقي عند هذه النتيجة ممّا سنتلوه عليك، أو التأثّر بالموقف من الفكر الكنسيّ: إمّا على أساس ما نظّرت له الكنيسة من أنّ المسيحيّة هي دين روحانيّ تماماً لا تشغله سوى اُمور السماء وحدها، فوطن المسيحيّ ليس في هذا العالم، فلا يهمّه أن تسير الاُمور كلّها سيراً حسناً أو سيّئاً في هذا العالم الدنيويّ، وإذا كانت الدولة مزدهرة فلا يكاد يجرؤ على التمتّع بالسعادة العامّة، وإذا هلكت الدولة فإنّه يبارك يد الله التي شدّدت قبضتها على شعبه على حدّ تعبير روسو الذي سيمرّ عليك في المتن. أو على أساس الاستياء الحاصل من طغيان الكنيسة التي لم تدع جانباً من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كلّ نواحيه الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة، وفرضت على