المولفات

المؤلفات > دراسات فقهية

153

مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(1).

والتدقيق في صدر الآية يعطي أنّ الآية المباركة بصدد تسهيل الروابط بين المسلمين وأهل الكتاب في الطعام والنكاح، وهذا لا يحتمل أن يكون في زمن الأزمة الشديدة التي كانت بين المسلمين وأهل الكتاب وتعارض الندّ بالندّ ومن قبل هيمنة المسلمين، وأعني بذلك ما قبل فتح خيبر الذي تمّ في السنة السابعة من الهجرة، أي: ما بين صلح الحديبية وفتح خيبر.

وإنّما المحتمل بشأن زمان نزول هذه الآية أمران:

أحدهما: أن يكون بعد فتح مكّة في السنة الثامنة من الهجرة وسيطرة الإسلام على المشركين وأهل الكتاب معاً، وأراد الله تعالى بذلك تمييزاً بين أهل الكتاب والمشركين بأن لا مداهنة مع المشركين إطلاقاً، ولكنّ أهل الكتاب يمكن التعاشر معهم بذاك المقدار؛ لقاسم مشترك معنوي بينهم وبين المسلمين، وهو أصل الإيمان بإله الأرض والسماء، وبمتابعة كتاب سماوي.

والثاني: أن يكون _ على الأقلّ _ بعد فتح خيبر وتسلّط المسلمين على أهل الكتاب، وقد أراد الله تخفيف الأزمة بين المسلمين وأهل الكتاب بعد الانتصار عليهم؛ كي يكون ذلك خيطاً بينهما قد يؤدّي بالتدريج إلى هدايتهم.

وبكلمة أُخرى: كأنّه لم يكن من الضروري بعد هيمنة الإسلام وانتصاره بقاء تلك المحدوديّات التي كانت قبل ذلك في المعاشرة بين المسلمين وأهل الكتاب(2).

وعلى كلا التقديرين فهذه الآية نزلت بعد آية ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾

 


(1) المائدة: ٥.

(2) راجع بهذا الصدد تفسير نمونه، ج ٤، ص ۲۷۸ _ ۲۷۹.