المولفات

المؤلفات > الفتاوی المنتخبة

37


أنّ طبيعة المسيح هي من نفس طبيعة الله، و تغلّب رأي الكسندروس الأوّل، ورفض (آريوس) و اثنين من القساوسة الموحّدين بإصرار التوقيع على إيمان المجمع بالطبيعة الإلهيّة للمسيح، فتمّ نفيهم إلى اليرا (البلقان حاليّاً) أو سجنهم، وحرّقت كتب (آريوس)، و سُمّي مذهبه ببدعة آريوس. (راجع للتفصيل: أضواء على المسيحيّة، د. رؤف شبليّ، ص 96 ـ 99، منشورات المكتبة العصريّة، صيدا ـ بيروت، عام 1975م).

فقدان الشريعة:

إنّ الانحراف العقائديّ الذي حصل في الديانة الكنسيّة والذي حوّلها إلى ديانة روحيّة تدريجاً، وبناء تعاليمها على أنّ الإيمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل، وعدم قدرتها على معالجة المسألة التشريعيّة ونظام الحكم، وبالتالي فقدان الشريعة والقوانين المنظّمة للحياة المدنيّة.. أوجد فراغاً كبيراً، وفتح باب الاجتهادات الشخصيّة لرجال الدين وتدخّلاتهم غير المتّزنة في شؤون الحياة، ومن ثمّ حصول ذلك الطغيان المعروف في تأريخ الكنيسة.

صور طغيان رجال الكنيسة:

لم تدع الكنيسة جانباً من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغلّه بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كلّ نواحيه الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرّفاتهم وصاية لا نظير لها البتّة، وإنّ التأريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة ويقدّم نماذج حيّة له في كلّ شأن من الشؤون، ولنستعرض بعض الصور لذلك الطغيان الذي ولّد هذا النفور والمضادّة وإساءة الظنّ لدى عموم المفكّرين والباحثين بكلّ ما يرتبط بالكنيسة في فترة ما يسمّى بعصر التنوير أو الحداثة في اُوروبّا:

الطغيان الدينيّ:

منذ أن ظهر إلى الوجود ما يسمّى المسيحيّة الرسميّة في مجمع نيقية (325م) الذي فرضت فيه عقيدة التثليث، وحرّمت ولعنت مخالفيها، عزّزت الكنيسة سلطتها الدينيّة بادّعاء حقوق لا يملكها إلّا الله، مثل حقّ الغفران، وحقّ الحرمان، ولم تتردّد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحقّ الغفران أدّى إلى المهزلة التأريخيّة (صكوك الغفران) المعروفة، وحقّ الحرمان عقوبة معنويّة بالغة كانت شبحاً مخيفاً للأفراد والشعوب في آن واحد، فأمّا الذين تعرّضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال (فردريك) وهنري الرابع الألمانيّ، وهنري الثاني الإنجليزيّ، ورجال الدين المخالفين من آريوس حتّى مارتن لوثر قائد